كشفت نتائج الانتخابات البلدية (المحلية) في مدينة صيدا اللبنانية التي انتهت بفوز «قوى الرابع عشر من آذار» أنه حيث تجري انتخابات في ظروف طبيعية، هناك انتصار للقوى التي تؤمن بالسيادة والحرية والاستقلال. كذلك، كشفت الانتخابات البلدية في لبنان عموماً أن التابعين للنائب ميشال عون لا يستطيعون الفوز في أي انتخابات في أي منطقة لبنانية، خصوصاً إذا كانت ذات طابع مسيحي، من دون أصوات مناصري «حزب الله». وهذا يؤكد أن الأكثرية المسيحية في لبنان خرجت أخيراً من مرحلة الغباء السياسي وبدأت تعي مدى خطورة ما تشكله ظاهرة ميشال عون على مستقبل الوطن الصغير بكل طوائفه ومذاهبه ومناطقه.
ما أظهرته الانتخابات البلدية أيضاً أن اللبنانيين يرفضون العودة إلى نظام الوصاية في أي شكل وهم يقاومون التبعية. تلك رسالة انتخابات صيدا، ثالث أكبر مدينة في لبنان، وهي مدينة سنية الطابع، لكنها تعتبر مختلطة. وقد سعى رفيق الحريري، رحمه الله، إلى تكريس العيش المشترك فيها. لم يؤيد أحرار صيدا اللائحة التي تمثل الحرية والسيادة والاستقلال فحسب، إنما أيدوا أيضاً مشروع إعادة البناء والإعمار والتنمية الذي عمل من أجله رفيق الحريري. ما شهدته صيدا لم يكن حدثاً عابراً. ما شهدته صيدا كان دليلاً على وجود رغبة لبنانية في الصمود والمقاومة. لبنان ما زال يقاوم ثقافة الموت والبؤس خصوصاً. المطلوب قبل كل شيء مقاومة التخلف وتفادي السقوط في الفخ الإسرائيلي، فخ جرّ لبنان إلى مواجهة غير متكافئة تؤدي إلى تدمير بنيته التحتية وإعادته عشرات الأعوام إلى خلف كما حصل صيف العام 2006.
لم يكن انتصار صيدا انتصاراً للصيداويين وحدهم بل كان انتصاراً لكل الجنوب وكل لبنان، وللرغبة في حماية الوطن الصغير من المزايدات والمزايدين الذين لم يتمكنوا من حل أي من المشاكل التي تعاني منها المدينة التي كانت دائماً في طليعة من صمد في وجه إسرائيل واطماعها.
انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان قبل عشرة أعوام وأكّدت الأمم المتحدة، عبر مجلس الأمن التابع لها وعبر كوفي انان، الأمين العام للمنظمة الدولية آنذاك، أن إسرائيل نفّذت القرار 425 بعد مرور اثنين وعشرين عاماً على صدوره. انسحبت إسرائيل وبقيت قضية مزارع شبعا المحتلة في العام 1967 حين كانت تحت السيطرة السورية وينطبق عليها القرار 242. هل يستطيع لبنان الاستفادة من هذا الانسحاب، أم أن المكتوب على لبنان أن يظل عبر جنوبه مجرد «ساحة»؟ ذلك هو السؤال الكبير الذي يطرح نفسه. ما أثبتته الانتخابات نتائج البلدية في صيدا أن اللبنانيين يعون تماماً أن الوقت آن لمواجهة الواقع بدل العيش في الأوهام، وأن المطلوب اليوم قبل غد الانصراف إلى التنمية وتعويض اهل صيدا وأهل الجنوب ما فاتهم في الأعوام الأربعين الماضية.
لابدّ من الاعتراف بأنّ جريمة ارتكبت في حق الجنوب وأهله عندما قبل لبنان التنازل عن جزء من أرضه وسيادته في العام 1969. وقتذاك، أجبر لبنان على توقيع «اتفاق القاهرة» المشؤوم الذي حوّل الجنوب إلى قاعدة انطلاق لعمليات ضد إسرائيل في حين اغلقت كل الجبهات العربية الأخرى بشكل محكم. استمر اغلاق الجبهات حتى حرب العام 1973. وكانت عودة إليه بعدها. كان مفترضاً في نتائج تلك الحرب أن تؤدي إلى تسوية. لكن ما حصل أن مصر اتخذت قراراً واضحاً يقضي بالتوصل إلى معاهدة سلام مع إسرائيل. ما لا يمكن تجاهله أن معاهدة السلام المصرية مع الدولة العبرية في مارس من العام 1979 كانت جزءا لا يتجزأ من اتفاقين تم التوصل إليهما في كامب ديفيد في العام 1978. كان الجزء الأول محصوراً بمصر، فيما كان الجزء الآخر متعلقاً باعطاء حكم ذاتي للفلسطينيين. لم يستطع الفلسطينيون الاستفادة من اتفاقي كامب ديفيد بسبب الضغوط العربية التي مورست عليهم وعلى ياسر عرفات بالذات... أما لبنان، فتحول مرة أخرى إلى «ساحة» وإلى الجبهة العربية الوحيدة المفتوحة مع إسرائيل تعويضاً عن حال العجز العربية.
ما أراد أهل صيدا قوله، باسم كل أهل الجنوب، أن من حق لبنان الانصراف إلى التنمية والاستفادة من القرار الرقم 1701 الصادر في العام 2006 الذي مكن الجيش اللبناني من الانتشار في جنوب لبنان للمرة الأولى منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً. قال أهل صيدا ما لا يستطيع آخرون قوله نظراً إلى أن الآخرين لا يمتلكون الحرية التي لدى أهل صيدا، صيدا رفيق الحريري، وسعد الدين رفيق الحريري، والسيدة بهية الحريري، والرئيس فؤاد السنيورة الذي قاد المقاومة الحقيقية في حرب صيف العام 2006. قالوا صراحة أنه إذا كانت هناك من ضرورة لمواجهة مع إسرائيل، على أي مستوى كان، فإن قرار المواجهة يجب أن يكون عربياً. وفي حال كانت هناك حرب، فإن هذه الحرب يجب أن تكون عربية إسرائيلية وليست حرباً محصورة بلبنان...
أبعد من الانتخابات البلدية التي شهدتها صيدا التي احتضنت كل المقاومات، هناك رسالة لبنانية إلى كل من يعنيه الأمر. فحوى الرسالة أن من حق لبنان أن يستريح. إذا كانت هناك حاجة إلى حرب، لن يتردد لبنان في المشاركة فيها. لكن لبنان لا يستطيع ان يكون مع القرار 1701 وضده في الوقت ذاته. ولبنان لا يستطيع أن يكون مع «مبادرة السلام العربية» التي أقرتها «قمة بيروت» في العام 2002 وضد المبادرة في آن. ما الذي يريده العرب في نهاية الأمر، هل يريدون خوض حرب مع إسرائيل وهل يستطيعون استعادة حقوقهم المشروعة عن طريق القوة، لماذا لا يقولون صراحة ما الذي يريدونه، أم أن على لبنان دفع ضريبة العجز عن الحرب وعن السلام؟ في حال كانت موازين القوى تسمح بذلك، فإن قرار الحرب يجب أن يكون عربياً لا أكثر ولا أقل. وبموجب هذا القرار، يفترض أن يتحمل كل طرف مسؤولياته وفتح كل الجبهات، بدل ترك الوطن الصغير وحيداً و«ساحة» لنزاع لن يجرّ عليه سوى الويلات كما حصل صيف العام 2006.
لم تكن الانتخابات البلدية في صيدا مجرد انتخابات محلية. كانت دليلاً على أن اللبنانيين في أكثريتهم الساحقة توصلوا إلى مرحلة من النضج السياسي. باتوا يعرفون معنى التفريق بين المنطق والمزايدات. انه تفريق بين الحقيقة والوهم، بين ثقافة الحياة وثقافة الموت، بين السعي الى تنمية الجنوب بدل المتاجرة به وبأهله...
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن