ليس من عادتي القراءة لأحد من الكتاب هذه الأيام فأنا أعاملهم بالمثل، ولكن شدني من بقايا شعري الكاتب العزيز خليل علي حيدر إلى مقالته عن الدكتور الفاضل عبدالله النفيسي، وقرأتها رغم أن كتاباته دائماً ما تكون ثقيلة الدسم، وهو ما نصحنى الأطباء بالابتعاد عنه كوني (مقولن) نسبة إلى القولون العصبي لا أراكم الله في الأكل مكروها.
إن الدكتور النفيسي يا صديقي العزيز لم يعرف الراحة في حياته أبداً، فهو في تنقل مستمر بين تيار وآخر وبين فكرة ونقيضها وقد ذكرت في مقالتك أن الدكتور النفيسي يقول انه في بداية حياته حاول الانضمام إلى التيارات الإسلامية، ولكن ذلك يتعارض مع تاريخه الفعلي ففي نهاية الستينيات تقريباً ذهب الدكتور إلى ثوار ظفار وألف عنهم كتاباً، ومعروف أن ثوار ظفار كانوا من اليساريين الاقحاح، ما يعني أنه كان يميل إلى اليسار في تلك الفترة، وربما ألهمته تلك المرحلة تأليف كتاب «الكويت الوجه الآخر» فهو في النسق نفسه، ولكن الأكيد أن الكتاب الأخير قلب حياة معلم الأجيال فسُحب جواز سفره وحُرم من التدريس في الجامعة، ثم ظهرت عليه أعراض التدين، ويبدوا أنه انضم إلى جماعة إسلامية قريبة من جماعة التبليغ حيث جاء الركبان بأخباره، فقد اضطر إلى التسلل إلى المملكة العربية السعودية بقصد العمرة في مطلع الثمانينيات واُمسك به هناك وفي التحقيق قال أنا (عبدو) الله في أرض الله وُسلم عبدالله إلى الكويت حيث استكان إلى أن رشح نفسه في انتخابات 1985، ونجح، ولكن المجلس حل، وللأمانة التاريخية، كان الدكتور النفيسي من أشرس المدافعين عن عودة الحياة الدستورية في الكويت، المهم أن النفيسي بعد التحرير لم يجد في نفسه الميل للحياة البرلمانية لأنها لا تتفق مع ميوله الفكرية والنفسية، ونسيت أن أقول أن نجاح النفيسي في الانتخابات السابقة كان بسبب انضمامه إلى «حركة الإخوان» في الكويت التي انقلب عليها وألف عنها كتباً منها «ثغرات في الحركة الاسلامية» أو هكذا اسمه، وقال فيها ما لم يقله النائب مسلم البراك في الحكومة، ثم بدأت تظهر عليه علامات التحول إلى السلفية ولكنها لم تستمر طويلاً، فقد أعجبه النموذج الإيراني وراح يصوغ المقالات الجميلة في محاسنه وطرافته حتى قال الناس (تشيع عبدالله).
وفي خط مواز استمر النفيسي في كتاباته التي كان يغلب عليها الاستشهادات المترجمة عن الكتاب الأجانب، وكانت تصول وتجول حول حقيقة لا يختلف عليها اثنان من الأعداء وهي أن النفط هو سبب الأحداث الجارية في المنطقة! رغم أن أحد منا لم يقل أنه (العرفج)، وأخيراً وجد الدكتور الحائر ضالته في قناة «الجزيرة» التي تبحث عن كل ما هو غريب ومثير، وانتقل بعدها النفيسي من مرحلة التفكير إلى مرحلة الإبداع والاختراع، وقد نصحت كثيراً من الأصدقاء و(الأعدقاء) بضرورة التعامل مع أفكاره بحذر لأنها ليست فكراً بل فناً في الإثارة، ولكن الإعجاب بأطروحاته المتطرفة استمر حتى خرج علينا في يوم من الأيام، ومن محطة «الجزيرة»، بفكرة محور الشر، التي ورط فيها الهند، ثم وفي مقابلة أخرى قال ان الغرب وإسرائيل سوف يقصفون مكة المكرمة بالنووي، وأن اليهود يخططون لاحتلال المدينة المنورة! وهكذا حتى صار صديقاً حميماً لمقدم البرامج في «الجزيرة» الذي أصبح الدكتور يناديه من باب (الميانة) (يا أحمد)، وقد أسفت على عدم مشاهدتي لقاءه الأخير، ولم استغرب ما نقل لي عنه فهو مبدع في مجال السيناريوات المثيرة، ولكنها تبقى احتمالات. أما بالنسبة لقوله بصعوبة بقاء الدول الخليجية على وضعها الحالي فهذا باب طرقه قبله كثيرون، وعموماً البقاء لله، والسيناريوات كثيرة، فهناك السيناريو البعيد، وهناك القريب، والممكن، والمستحيل، والمنطقي، والأعوج، والمعقول، والمجنون، وما يحكم دقتها هو قدرات المفكر على التحليل والاستنباط لا قدراته الخيالية في فن الحديث والإثارة. ولكن أخطر ما في موضوع د. النفيسي هو أنه يسحب خلفه جيش من المعجبين الذي تحولوا إلى جيش من المؤمنين، فأحكامه غير قابلة للنقاش، وأفكاره نبراس هداية، رغم أن ما يقوله لا تدعمه الأدلة، ولم يأت نتاج أدوات بحث علمي سليم، بل نتيجة خيالات وأفكار مقتبسة من هنا وهناك، ومن سيهتدي بالدكتور النفيسي سيخيب أمله كما خاب أمل من سبقوه، فالدكتور (ديكارتي) النزعة، وقد كرس حياته للبحث عن شيئين هما من أعقد المواضيع التي احتار في فهمها الإنسان القديم والحديث والقادم، وهما البحث عن الذات والبحث عن الحقيقة. أما الذات فهي ذاته ولا تعنينا، وأما الحقيقة فلا أحد يملكها سوى الله وما يقوله هو وغيره هي حقائق نسبية، فأدع معي له بطول البقاء وقلة الشقاء فنحن لا غنى لنا عن مفكرينا وإن لم نجد في بعض أفكارهم فكراً.
فهيد البصيري
كاتب كويتي
[email protected]