عندما زرت المؤسسات التعليمية العليا في ألمانيا وتوقفت طويلا مع جامعة لايزبغ كان بصحبتي المستشرق ايكهارد الذي سهل لنا الاطلاع على المخطوطات العربية التي بحوزة الهيئات الألمانية المختصة، وأذهلتني العناية الفائقة التي تحظى بها المخطوطات من التخزين إلى الترميم إلى التصنيف، وهنا تذكرت كلمة الدكتور عبدالرحمن العثيمين أحد خبراء المخطوطات في عالمنا العربي عندما أجابني في مكة المكرمة عن سؤالي حول سرقة المخطوطات العربية والاسلامية وتهريبها إلى اوروبا، فقال فوراً ليتهم سرقوا اعدادا أكبر بدلا من ان تأكلها الارضة والرطوبة ويدفنها الغبار والأتربة في سراديب ومخازن العالم العربي!!
المقصود ان الانتاج والابداع والانجاز الجيد له شروطه وظروفه، فكيف ينتج العالم او الباحث في عالمنا العربي وهو في بعض الدول يضيع وقته بالمواصلات والوقوف في الطوابير من اجل الاطلاع على مخطوط مهم ونادر كما يقول لي استاذنا في المنطق بركات دويدار الازهري... ذكرت هذين الموقفين لاني شاهد حي ويرزق ولله الحمد على تأخر انجاز معاملتي التي تم التوقيع عليها منذ 22/11/2009 ولم تنجز إلا أمس.
فحزنت لا على ذاتي وحدث سوف يمضي ولكن على الترهل الاداري الذي يصيب ارقى المؤسسات ألا وهو التعليم العالي، للأمانة فان الدكتور يعقوب الرفاعي المدير العام قد بين لي ان ثمة خطأ بالتوقيت لجهة خارج التعليم التطبيقي التي ارسلت الكتاب المعني.
من المسؤول عن هذا الخلل؟ وليس للقرار دخل في تفصيل الجهات الاربع التي تداولت المعاملة، ولكن اريد التنبيه على مفارقة عجيبة، كيف افهم ما رأيته من اهتمام بالغ من الموظفين في المبنى رقم (3) الادارة المالية وجاراتها ابتداء بالدكتور الفاضل اسماعيل عباس الذي يشيد الجميع بحسن معاملته وسمو اخلاقه وسائر العاملين معه- لا سيما الاخت خالدة الايوب التي تبذل جهدا مضاعفا لحل اشكالات ماتراكم من عثرات غيرها من الادارات الاخرى- اقول كيف نفهم هذا الاهتمام الممتاز مع المشاكل التي ظهرت في كثير من ادارات الهيئة العامة
للتعليم التطبيقي والتدريب مثل -1 البطء الشديد في انجاز المعاملات، -2 ضياع المعاملات في بعض الادارات، -3 دوران في انجاز المعاملات، -4 تداخل الادارات بعضها ببعض، -5 ندرة الوظائف الاكاديمية المساندة المطلوبة.
أظن ان السبب يرجع إلى ما يدرسونه في علم الادارة من ان تضخم الجسم الاداري لا يتماشى مع واقع الهيئة الوظيفي ويؤثر سلبا على الانجازات، ومن اهم الحلول التي اصبحت مطلبا عاما ونادت بها رابطة اعضاء هيئة التدريس كما اخبرني رئيسها الدكتور معدي العجمي، فصل قطاع التعليم التطبيقي عن التدريب، لينمو كل قطاع ويستقل بذاته وتسهل بالتالي ادارتة ويخفف التدخلات المزعجة في الميزانية والقرارات وغيرها لان الجسم الاداري لا يتناسب مع الجسم الاكاديمي كما اشرنا.
ونتوجه إلى معالي وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة موضي الحمود بضرورة الالتفات والبت في هذا الاشكال الذي تسبب في تراجع كبير لهذه الهيئة الكبيرة حتى باتت المقارنة بينها وبين الجامعة امرا طبيعيا لبيان الفرق في تراجع التطبيقي وتقدم الجامعة من جوانب عديدة لكن تقلقنا تلك الشبهات التي نقول ان ثمة مشروعا تعليميا عاليا خاصا (ربحي/ تجاري) يلوح في الافق وان فصل قطاع التطبيقي عن قطاع التدريب ليس في صالح ذلك المشروع!! وهكذا نضحي بالتعليم العام الحكومي ليزداد ضعفا كي يستفيد اشخاص المشروع التعليمي التجاري!! وهل ضيع البلد وارجعة إلى العصر الطباشيري سوى هذه المعادلة الرأسمالية المتوحشة في سائر قطاعات الدولة!
محمد العوضي