علي سويدان / لمن يهمه... المهر!

تصغير
تكبير
نخاسة متعمدة تمارس تجاه فتياتنا تحت مسمى الزواج، وفي ثوب من الطهر والعفاف، وبصورة نضفي عليها الشرعية وتحمينا بموجبها القوانين، إنه الزواج... سنة الخالق في خلقه، ولكن كما تعودنا وللأسف أن نَلْتَفَّ على القانون فنبحث عن ثغرات فيه، أيضاً لم نُوفر جهداً في محاولة الالتفاف على الشرع ولكننا إن أفلتْنا من قانون الأرض، فلن نفلت من عدالة السماء. فما بين وليٍّ يضغطُ على ابنته فيُحرِجَها بزواج وهي دون سن الوعي ثم يتهرَّبُ من مسؤوليته تجاهها بذريعة أنها في ذمة وليها الجديد (الزوج)، وبين مُفرِّطٍ برعايته وتربيته ونُصحه لها ثم إلقاء اللوم عليها حين تكبُر؛ ونسينا أن للتربية أُصولاً بين تعويد قُبيل سن المدرسة، وتعليم فيها وتوجيه من بعدها كلها أمور تتلخص في مقولةِ (العلْْم في الصِّغَرِ كالنقش في الحجر)، مسألة غلاء المهور في أوساطنا العربية مع التفاوت بين طبقة في المجتمع وأخرى أصبحت ظاهرة وليست مجرد قضية أو حالات متكررة، بل اندفع الناس بعمومهم إلى رفع سقف المهور لفتياتهم في الزواج، وربما أنَّ الخوف على بناتهم دفع بالأهل والأولياء إلى طلب مهر ماديٍّ عالٍ يضربُ مهرَ الْمِثْلِ بعُرْضِ الحائط، ويُلبِسُ عقد الزواج لباساً مادياً بحتاً، لعل ذلك الخوف على مستقبل الفتاة دفع أهلَها إلى كل ذلك، ولعل صورة أخرى لا نُهملُ ذِكْرَها وتَظهر للأعين في مجتمعاتنا العربية تتمثل في نزعةٍ من الطمع والنظر إلى الشاب المتقدِّمِ للزواج نظرة مادية مهملين كل جانب معنوي يرتبط بالخُلُق وتحمُّل المسؤولية، إن انغماس الناس بمظاهر الترف أو تصنُّعه أحياناً، ينشر في المجتمع وبين الناس علاقات قائمةً على المصلحة البحتة دون الالتفات إلى جانب أخلاقي وأدبي لو سقط من أيدينا زِمامُه فقد ضاع كلُّ شيء، ولله در من قال:

إنما الأُمَمُ الأخلاقُ ما بقيتْ

فإنْ هُمُ ذهبتْ أخلاقُهُمْ ذهبوا

لقد فُطر الإنسان في مزيج من المادة والمعاني، فهو جسمٌ من طين وروحٌ سرُّها عند بارئها ونفس وراءها القلب والعقل، فلو مال الْمَرْءُ لجانب ولبّى نداءه مهملاً جانباً آخر لما قام بدوره الإنساني وربما فقد هذا الدور؛ ولو قرأَ وكَتَبَ وأكلَ وشربَ ونامَ وضحِكَ وعَمِلَ وسَهِرَ وتظاهر بكل مظاهر البشر! فماذا يعني انحياز كثير من الناس إلى نزعته المادية في قضية اختيار الإنسان الصالحِ ليكون زوجاً لابنتهم، والعكس أيضاً غير صحيح وهو أن ينظر الأهل للشاب المتقدم للزواج من ابنتهم نظرة معنوية باحثين عن حُسْنِ أخلاقه ومهملين قُدْرَتَه على تحمل المسؤولية والعناية بأُسرته، إنَّ خطوة أبنائنا نحو الزواج يجبُ أن ترعاها عقولنا وقلوبنا في قت مبكر بشكل يرتبط بالسلوك وبوعي يجمعُ في دائرته العنايةَ بكل جانب من جوانب التكوين الإنساني؛ من خُلُقٍ كريم ومسؤولية ترتكز على عقلٍ مميِّزٍ دون تسرع، وقلبٍ واعٍ وسلوكٍ قويم، وشخصية تتحمل المسؤولية بإرادة للكسبِ والاعتماد على النفس، بعيداً كل البعد عن النظر إلى أُمور مادية زائلة، ولو كانت المادة مصدراً من مصادر القوة بين الناس فلا يُكتفى بها ولا يُستغنى عنها... هذا لمن يهمُّه المهر!



علي سويدان

كاتب وأكاديمي سوري

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي