علي سويدان / متى تبدأ الحرب؟

تصغير
تكبير
لقد كان الفلسطينيون أكثرَ قوةً في وقتٍ تصدَّرَ فيه الرئيسُ الراحل ياسر عرفات للمفاوضات من جانب، وحين تزعجه إسرائيل أطلق العنان لـ «فتح» و«حماس» من جانب آخر لِتُذيقا إسرائيلَ طعمَ المفاوضاتِ الحقيقية في ضربها العمقَ الإسرائيلي بعملياتها الفدائية فيشكِّلُ ذلك ورقةَ ضغطٍ على إسرائيل لتجلس إلى المفاوضات بشيء من الجدية، عندما تبدأ الحرب لن يكون لها مقدِّمات واضحة، فمن العبث الحديث عن حرب بمعناها المتكامل ما دام التوازن مفقوداً في المنطقة، بالتأكيد لا تبدأ الحرب بصورتها الحقيقية إلا إذا اتُّخِذَ قرارُ الحرب من جهة سياسية تدرك بدقة رصيدها من القوة، وتعرف حقَّ المعرفة نوع المصلحة التي يمكن أن تحصل عليها من خوض تلك الحرب، نحن لا نتحدث عن سلوكيات صدرت عن العرب أشبه بحملات هوجاء تُذكِّرُنا بغارات العرب على بعضهم أيام الجاهلية حتى لو بدرت من أُناس في القرنين العشرين والحادي والعشرين. إن قرار الحرب لا يجدر أن يتخذه المسؤول عنه إلاّ إذا توفر عنصران أساسيان: الأول هو عنصر القوة، والثاني عنصر المصلحة، إن إسرائيل اليوم تمر في أكثر أوقاتها ضعفاً بنظرة مقارنة لتاريخها مع العرب، فلم تكن إسرائيل في حربها مع العرب في أعوام مضت تفوقهم بقدرات خيالية، والدليل هزيمتها على يد العرب وانسحابها من سيناء المصرية عام 1973م، وانسحابها من القنيطرة السورية عام 1974م، ولن تستورد إسرائيل أسلحة من الفضاء لتحاربنا بها، ولن تُصنِّعَ أسلحة لا بديل لها عند العرب، إذاً الحرب ليست فقط سلاحاً فتّاكاً كما نعلم جميعاً بل هناك جوانب أُخرى هي عناصر قوةٍ في المعركة في مقدِّمتها المعلومات، والتي تُسند مهمةُ الحصول عليها إلى جهاز الاستخبارات العسكري، ومن ثَمَّ تُرفع المعلوماتُ لأصحاب القرار السياسي للنظر فيها وتقدير المصلحة من حجم القرار الممكن أن يُتَّخذ، إسرائيل الآن يلمسُ العالَمُ ضعفَها في جانب معلوماتها عن عدوها، وأقصد بعدوِّها أيْ الذي مازال يقف في وجه انفتاحها على دول المنطقة اقتصادياً وسياسياً، لقد قالت العربُ قديماً «المرءُ مخفيٌّ تحت لسانهِ فإذا تكلَّم عُرِفَ»، ليتنا أخذنا بحكمة الجاهليين في عصرٍ ندعي فيه العلم، نحن أحياناً نتبرَّعُ بالمعلومات بكل سذاجة بينما إسرائيل تعرفُ مصلحتها تماماً وتدرس كل إخفاقٍ مرَّتْ به، نحن في حال يجدر أن نلتفت إلى مصلحتنا أيضاً، ولو افترضنا جدلاً أن صواريخ «سكود» هُرِّبتْ من سورية إلى «حزب الله» فلن تنتظر إسرائيلُ تلك الصواريخ أن تمرَّ بسلام، ولو افترضنا أن الصواريخ هربت فربما لا مصلحة الآن لإسرائيل بضربها في وقت مصابة فيه إسرائيلُ بضعف المعلومات، أو بتقديم المعلومات لها بطريقة تخلط الحقيقة بغيرها وتُشَوِّشُ أفكارها وتُعَدِّدُ احتمالاتِ الصواب في نظرها، الحرب في نظر أهلها من العسكريين والسياسيين الحقيقيين هي أعمق فهماً من نظرة أصدقائنا العرب! إن اتخاذ قرار الحرب دون الوعي إلى توازن في القرار سيعود على الأمة بأسرها بويلات لا تحمد عقباها، فربما نصبح أقوياء وعندنا من السلاح ما نردع به مَنْ يعادينا، ولكن إن لم يكن لنا مصلحة بالحرب فلِمَ ندخلها؟ ولو كان لنا مصلحة في الحرب ولا نملك القوة الرادعة في المعركة سيكون من السذاجة أن ندخل تلك الحرب أو غيرها، إنْ عرفنا سياسة التوازن هذه فسوف نعي أن الصواريخ التي تُتَّهم سورية بتمريرها إلى «حزب الله»، هي ورقة جديدة من أوراق الضغط على سورية للجلوس إلى المفاوضات مع إسرائيلَ دون شروط، بينما تلعب سورية دوراً سياسياً على أُصوله في المفاوضات على الجولان، بعيداً عن الجلوس إلى إسرائيل دون شروط بإعلانها ثبات الوساطة التركية بشأن المفاوضات مع إسرائيل، إذاً القضية في مكان آخر... وليست قضية صواريخ.



علي سويدان

كاتب وأكاديمي سوري

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي