في الحروب وتفاقم الأزمات، تبرز أسئلة مشروعة تتمحور عن دور الدول فيها؟ ولماذا لم تستخدم أدواتها من علاقات ونفوذ لمنع اكتوائها بنارها؟ سؤال يبدو منطقياً للوهلة الأولى، لكنه يخلط بين مفهومين مختلفين هما: النفوذ السياسي والقرار العسكري.
دولة الكويت، ولله الحمد، بنت على مدى عقود طويلة رصيداً دبلوماسياً متميزاً، قائماً على الاعتدال وفتح قنوات الحوار مع الجميع، والابتعاد عن سياسية المحاور، وهذا الرصيد منحها احتراماً واسعاً للوساطة في أكثر من أزمة إقليمية بل وتعدى دورها الإيجابي إلى خارج الإقليم.
لكن في الحروب وتحديداً الحرب الدائرة حالياً والاعتداءات الإيرانية السافرة الآثمة المستمرة فالمعطيات اليوم مختلفة تماماً وخارجة عن نطاق المنطق، وهو نتاج لحالة الفوضى التي تتجاذب القرار في إيران بين قواه السياسية والعسكرية... هذه الفوضي وغياب بوصلة القرار تجعل من الظلم تقييم نجاح السياسة الخارجية بقدرتها على منع أي هجوم؟ بل على الدور في الحفاظ على قنوات الاتصال وخفض احتمالات التصعيد ومنع توسع الأزمة وعدم الانزلاق إلى المجهول، هذه هي وظائف الدبلوماسية الحقيقية.
ومنذ اندلاع هذه الحرب ونحن نتحدث عن كيفية الاستفادة من دروسها محلياً وخليجياً، واليوم ثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن الاعتداء على محطات الكهرباء وتحلية المياه هو اختبار لمنظومة الأمن الخليجي بأكملها وليس اعتداء على دولة بعينها، فالمياه والطاقة لم تعدا خدمات محلية بل أصبح استقرارهما جزءاً من الأمن القومي الخليجي المشترك. وقد آن الأوان في إعادة صياغة مفهوم هذا الأمن، وآن الأوان للانتقال من مرحلة التنسيق إلى مرحلة التكامل، تكامل في منظومات الإنذار المبكر وتكامل في حماية البني التحتية، بحيث لا تكون كل دولة منفردة مسؤولة عن حماية محطاتها الحيوية بل تكون الحماية جماعية.
اليوم، وأكثر من أي وقتٍ مضى أمن الخليج وشعوبه لم يعد قابلاً للتجزئة.