حين أصبح الإنسان عبداً لردائه الجديد

تصغير
تكبير

في عام 1769، كتب الفيلسوف الفرنسي دنيس ديدرو، مقالاً لم يكن يعلم أنه سيصبح بعد قرون أحد أهم المفاهيم في علم النفس الاستهلاكي. لم يكن يتحدث عن الاقتصاد، ولا عن الأسواق، ولا عن الإعلانات، بل عن رداء مخملي فاخر أُهدي إليه. كانت هدية بسيطة في ظاهرها، لكنها غيّرت حياته.

نظر ديدرو، إلى ردائه الجديد، ثم التفت إلى منزله، فإذا بالأثاث يبدو رخيصاً، والمكتب قديماً، والكرسي مهترئاً، والسجاد لا يليق بالمشهد الجديد. بدأ يستبدل قطعة بعد أخرى، حتى انتهى به الأمر غارقاً في الديون، ليكتب عبارته التي اختصرت مأساة الإنسان الاستهلاكي:

«كنت سيد ردائي القديم، فأصبحت عبداً لردائي الجديد».

لم تكن المشكلة في الرداء، بل في العقل الذي أقنع صاحبه بأن قطعة واحدة من الفخامة تستوجب تغيير الحياة بأكملها.

اليوم، وبعد أكثر من قرنين، لم يعد تأثير ديدرو، مجرد نظرية فلسفية، بل أصبح أسلوب حياة يهيمن على المجتمعات الحديثة، ومنها المجتمع الكويتي. فما إن يشتري أحدهم ساعة فاخرة، حتى يشعر أن سيارته لم تعد تليق بها، ثم يرى أن منزله أقل من مستوى سيارته، وأن ملابسه لا تناسب منزله، وأن المقهى الشعبي لا ينسجم مع صورته الجديدة، فينتقل إلى لوبيات الفنادق الفاخرة، لا لأن القهوة هناك ألذ، بل لأن الصورة أهم من المذاق.

إنها رحلة لا تنتهي.

رحلة تبدأ بساعة، وتنتهي بقرض.

في الماضي، كانت الأسرة الكويتية تبني حياتها على الضروريات. كان رب الأسرة يتقاضى راتباً متواضعاً، لكنه يكفي لإطعام سبعة أو ثمانية أفراد، ويوفر لهم المسكن والكسوة والتعليم، بل ويترك مساحة للادخار. لم تكن الحياة خالية من الطموح، لكنها كانت تعرف الفرق بين الحاجة والرغبة، وبين الكماليات والأساسيات.

أما اليوم، فقد انعكست المعادلة.

أصبحت الكماليات هي الأساسيات، وأصبحت الأساسيات مجرد تفاصيل لا يلتفت إليها أحد.

لم يعد السؤال: هل أحتاج هذا الشيء؟

بل أصبح: ماذا سيقول الناس إن لم أمتلكه؟

وهكذا انتقل الإنسان من العيش لنفسه إلى العيش أمام الآخرين.

دخلت البراندات العالمية إلى وعينا قبل أن تدخل إلى خزائننا. وأصبحت أسماء مثل باتيك فيليب، وأوديمار بيغيه، وريتشارد ميل، وهاري وينستون، رموزاً للنجاح في نظر البعض، رغم أنها صُممت في الأصل لفئة محدودة من الملوك وكبار رجال الأعمال وهواة جمع الساعات، لا لتكون معياراً يقاس به نجاح الإنسان أو قيمته.

ولم تتوقف العدوى عند الساعات.

امتدت إلى السيارات، فأصبحت أسماء مثل أستون مارتن، وماكلارين، وبوغاتي، ليست مجرد وسائل نقل، بل أدوات لإثبات المكانة الاجتماعية.

ثم امتدت إلى السفر.

فلم يعد السفر راحة، بل أصبح استعراضاً.

وأصبحت أسماء مثل كورشوفيل، والمالديف، وسيشل، وموناكو، وكان، أحلاماً إلزامية في نظر كثيرين، حتى ظن البعض أن السعادة لا توجد إلا هناك، وأن الإجازة داخل الوطن أو في وجهة بسيطة تعني الفشل الاجتماعي.

لكن الحقيقة أكثر قسوة.

فنحن لا نطارد تلك الأماكن لأنها أجمل دائماً، بل لأن الآخرين سبقونا إليها.

لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى أكبر مصنع للرغبات الوهمية. فهي لا تعرض حياة الناس كما هي، بل تعرض أفضل لحظاتهم، بعد مئات الصور والمحاولات والفلاتر. ومع ذلك، يقارن الإنسان حياته اليومية بتلك اللقطات المنتقاة، فيشعر أن حياته ناقصة، وأن عليه أن يشتري المزيد ليصبح مثلهم.

وهنا تكمن خطورة تأثير ديدرو.

فهو لا يسرق المال فقط، بل يسرق الرضا.

يجعل الإنسان يحتقر ما يملك، ويطارد ما لا يحتاج، ويؤجل سعادته إلى أن يشتري الشيء التالي، ثم يكتشف أن السعادة انتقلت إلى الشيء الذي يليه.

وهكذا يدخل في سباق لا خط نهاية له.

إن أخطر أنواع الفقر ليست قلة المال، بل قلة القناعة.

وأخطر أنواع الثراء ليست كثرة الممتلكات، بل كثرة الاحتياجات.

لقد أقنعنا المجتمع الاستهلاكي بأن قيمة الإنسان في ما يلبس، وما يقود، وما يرتدي في معصمه، وما ينشره في حساباته، بينما الحقيقة أن قيمة الإنسان كانت وستظل في ما يحمله من علم، وما يقدمه من خُلق، وما يتركه من أثر.

لسنا ضد الرفاهية، ولا ضد أن ينعم الإنسان بما أحل الله له من طيبات الحياة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرفاهية إلى معيار للكرامة، وعندما يصبح الاستهلاك هوية، لا مجرد اختيار.

إن المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من المظاهر، بل يحتاج إلى إعادة تعريف النجاح.

فالنجاح ليس ساعة بمئات الآلاف، ولا سيارة تتجاوز قيمتها قيمة منزل، ولا رحلة إلى جزيرة بعيدة.

النجاح الحقيقي أن تعيش في سلام مع نفسك، وأن تنفق في ما تحتاج، وأن تملك الأشياء دون أن تمتلكك.

وهذا هو الدرس الذي أراد دنيس ديدرو، أن يورثه للعالم منذ أكثر من مئتين وخمسين عاماً.

لكن يبدو أن كثيراً منا ما زال يرتدي ذلك الرداء... وما زال يدفع ثمنه حتى اليوم.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي