حماس و«صفقة ترامب»... موافقة مشروطة أم انخراط تكتيكي؟
- الحرب الإسرائيلية على غزة لم تتوقف... موقف «حماس» موافقة جزئية وليست كاملة من البداية!
- المشهد الفلسطيني مقبل على مراحل أكثر تعقيداً تتطلب وحدة الصف وبناء إستراتيجية وطنية جامعة تواجه مشاريع التصفية والتهجير
في خضم التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، يبرز المشهد الفلسطيني كساحة تتصارع فيها حسابات السياسة وثوابت وطنية فلسطينية للمقاومة، وسط محاولات أميركية متكررة لإعادة تشكيل معادلات الصراع بما يخدم أجندة واشنطن وحليفها الإسرائيلي. وعلى وقع الخطة التي رعاها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في شأن قطاع غزة، وُضعت حركة «حماس» أمام اختبار دقيق يتطلب قراءة متأنية لطبيعة موقفها، بعيداً عن الانطباعات السطحية والتصريحات المتباينة.
فهل وقّعت «حماس» على خطة ترامب كاملة، أم أن ما جرى كان موافقة محدودة بضوابط وطنية مشروطة؟ وهل يمكن الحديث عن «وقف الحرب» في غزة في ظل استمرار القصف الإسرائيلي وتوسع العدوان إلى الضفة الغربية؟
موقف «حماس» بين الموافقة الجزئية والثوابت الوطنية
في الثالث من أكتوبر 2025، أصدرت «حماس» بيانها الرسمي الذي أوضحت فيه موقفها من خطة ترامب، مؤكدة موافقتها على نقاط محددة تمثلت في:
- وقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
- تبادل الأسرى بين الطرفين.
- إدخال المساعدات الإنسانية بشكل فوري.
- رفض تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه.
- تسليم إدارة القطاع لهيئة تكنوقراط مستقلة، على أساس توافق وطني ودعم عربي وإسلامي.
غير أن الحركة أحالت القضايا الجوهرية المتعلقة بمستقبل غزة والحقوق الوطنية الفلسطينية على موقف وطني جامع، مؤكدة أنها ليست شأناً يخصها وحدها، بل قضية مصيرية تتطلب توافقاً فلسطينياً شاملاً. هذا التمايز الواضح كشف عن جوهر الموقف الحماسي: موافقة مرحلية مشروطة، وليس انصياعاً كاملاً لخطة من 20 بنداً، كما روجت بعض الأوساط الإعلامية.
التطورات الميدانية وتداعيات المرحلة الأولى
ترجم الموقف الحماسي في التاسع من أكتوبر 2025، حيث وقّعت «حماس» وفصائل المقاومة في شرم الشيخ على تفصيلات المرحلة الأولى من الاتفاق، والتي اقتصرت على:
- آليات تبادل الأسرى.
- إدخال المساعدات الإنسانية.
- تحديد خطوط الانسحاب الإسرائيلي الموقت.
- عودة النازحين إلى مناطقهم.
وقد أقر ترامب، نفسه بأن التوقيع كان على المرحلة الأولى وليس الخطة بأكملها، وهو ما يعكس إدراكاً أميركياً بطبيعة الموقف الفلسطيني التكتيكي، الذي لم يقدم تنازلات إستراتيجية تتعلق بنزع السلاح أو تصفية الحقوق الوطنية.
خطوط المقاومة الحمراء بين المرونة التكتيكية والثبات الإستراتيجي
ركزت «حماس» وقوى المقاومة على أربعة خطوط حمراء في ما يخص المرحلة الثانية واليوم التالي لغزة:
- التمسك بسلاح المقاومة كحق طبيعي مرتبط بإنشاء الدولة الفلسطينية ذات السيادة، وليس كقضية قابلة للتفاوض تحت الضغط.
- الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، دون أي وجود عسكري أو استيطاني.
- إرجاع قضايا مستقبل غزة إلى حوار وطني فلسطيني جامع، يشارك فيه جميع الفصائل والقوى الوطنية.
- توفير احتياجات القطاع من مساعدات وإعمار، مع ضمانات دولية بمنع أي ابتزاز سياسي مقابل الاحتياجات الإنسانية.
هذه الخطوط تعكس وعياً إستراتيجياً لدى المقاومة بأن أي موافقة غير مشروطة قد تؤدي إلى تفريغ المشروع الوطني من مضمونه، وتحويل غزة إلى نموذج شبيه بتجارب أخرى في المنطقة لم تفضِ إلى حلول عادلة.
الموقف الأميركي بين الترحيب والمرونة التكتيكية
أبدت الإدارة الأميركية مرونة ملحوظة تجاه موقف «حماس»، وهو ما تجلى في ثلاث محطات رئيسية:
1 - الترحيب الأولي بموقف «حماس»
في الثالث من أكتوبر، كتب ترامب على منصة «تروث سوشيال»: «بناءً على البيان الصادر للتو عن حماس، أعتقد أنهم مستعدون لسلام دائم. يجب على إسرائيل أن توقف فوراً قصف غزة، حتى نتمكن من إخراج الرهائن بأمان وبسرعة!»
2 - الإعلان عن توقيع المرحلة الأولى
في الثامن من أكتوبر، أعلن ترامب توقيع المرحلة الأولى، واصفاً إياها بأنها «خطوات أولى نحو سلام قوي ودائم».
3 - إعلان انتهاء الحرب في شرم الشيخ
في 14 أكتوبر، أعلن ترامب «معاً حققنا ما قال الجميع إنه مستحيل - أخيراً، لدينا سلام في الشرق الأوسط. الحرب في غزة انتهت».
لكن هذه التصريحات، التي حملت طابعاً احتفالياً، اصطدمت بحقيقة ميدانية مختلفة، حيث لم يتوقف العدوان الإسرائيلي بل تحول إلى نمط متواصل من القصف المتقطع والعقاب الجماعي، تحت غطاء سياسي ودبلوماسي.
الموقف الإسرائيلي بين القبول التكتيكي والإصرار على نزع السلاح
من جانبها، أبدت إسرائيل موقفاً مزدوجاً، تمثل في:
- الموافقة الفورية على المرحلة الأولى، مع الاستعداد لتنفيذها، كما أعلن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في 3 أكتوبر.
- الإصرار على نزع سلاح حماس كشرط أساسي لأي ترتيبات مستقبلية، وهو ما يتعارض مع الخطوط الحمراء التي رسمتها المقاومة.
وهذا التناقض يعكس محاولة تل أبيب الاستفادة من أي اتفاق مرحلي، مع الاحتفاظ بخياراتها العسكرية لفرض شروطها لاحقاً، وهو ما يفسر استمرار العمليات العسكرية في غزة والضفة الغربية.
حقيقة استمرار العدوان... جرائم بلا هوادة
رغم الاتفاقات المعلنة، تواصلت الآلة العسكرية في قصف قطاع غزة، حيث تجاوز عدد الضحايا 600 شهيد منذ التوصل إلى ما يسمى باتفاق وقف إطلاق النار. هذا الرقم - الذي يمثل ضحايا ما بعد الهدنة المزعومة - يشكل دليلاً قاطعاً على أن الحرب لم تتوقف، بل تحولت إلى نمط مختلف من القتل والتدمير المتواصل.
تقوم وسائل الإعلام الإسرائيلية، بما فيها القنوات العسكرية، بنشر بيانات يومية عن استمرار العمليات العسكرية في القطاع، وتنفيذ طائرات الاحتلال غارات جوية شبه يومية استهدفت منازل ومباني سكنية وبنى تحتية. كما أن إعلانات الجيش عن استهداف «خلايا» أو «مواقع إطلاق صواريخ» هي اعتراف ضمني باستمرار حالة الحرب، وليس وقفاً لها.
جرائم الاحتلال تمتد إلى الضفة
لم تقتصر الجرائم على غزة، بل امتدت بشكل متصاعد إلى الضفة الغربية المحتلة، حيث كثّف الاحتلال أنشطته الاستيطانية، ما أدى إلى تهجير أكثر من 36.000 فلسطيني خلال العام الماضي.
وشهدت الضفة ارتفاعاً حاداً في اعتداءات المستوطنين وإعدامات ميدانية ترتكبها قوات الاحتلال، كان آخرها إطلاق النار على أربعة مدنيين فلسطينيين في 15 مارس 2026.
نحو استشراف فلسطيني في مواجهة مشاريع التصفية
إن ما وقعته «حماس» لم يكن أكثر من موافقة مرحلية محدودة، لا تعني بحال من الأحوال القبول بخطة ترامب بكامل بنودها، ولا تعني التخلي عن ثوابت المقاومة أو الحقوق الوطنية.
لقد أظهرت الحركة مرونة تكتيكية في إدارة الملف الإنساني والإغاثي، مع تمسكها بخطوط حمراء إستراتيجية، وفي مقدمتها حق المقاومة في مواجهة الاحتلال، ورفض أي مشروع يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية أو تجريد الشعب الفلسطيني من أدوات نضاله المشروعة وإصرار الاحتلال على التهجير والاستيطان والتوسع في العمق الفلسطيني.
أما في ما يتعلق بـ«وقف الحرب»، فتبقى الحقيقة الميدانية هي الفيصل: الحرب الإسرائيلية على غزة لم تتوقف، بل استمرت بوتيرة إجرامية، وامتدت إلى الضفة، ما يؤكد أن الخطاب السياسي الإسرائيلي والأميركي لا يعدو كونه محاولة لتجميد العدوان موقتاً، وإعادة تموضعه سياسياً، بينما يواصل الاحتلال قتل الفلسطينيين وتجويعهم وتهجيرهم في غزة والضفة على حد سواء.
ويبدو أن المشهد الفلسطيني مقبل على مراحل أكثر تعقيداً، تتطلب وحدة الصف الفلسطيني، وبناء إستراتيجية وطنية جامعة تواجه مشاريع التصفية، وتعتمد على توظيف المناورة السياسية دون التفريط بالثوابت، والاستعداد لأي سيناريوهات، بما فيها استمرار العدوان أو توسعته.
فالتاريخ يعلمنا أن الاحتلال لا يمنح الحقوق طوعاً، وأن صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته هما الضمانة الحقيقية لانتزاعها، مهما طال الزمن وتعقدت المسارات السياسية.