جولة ايجابية تُستكمل بين الألغام و... القطب المخفية
مفاوضات روما اللبنانية - الاسرائيلية... سباحة دبلوماسية عكْس تيار العسْكرة في الاقليم
بدت الجولةُ السادسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية التي عُقدتْ للمرة الأولى خارج واشنطن وفي روما، وكأنها «سباحة عَكْس تيارِ» التصعيد التصاعدي في المنطقة والذي ترتبط فيه «بلاد الأرز» منذ أن أُقحمتْ في الحرب الأولى غداة «طوفان الأقصى».
وشكّلت مفاوضاتُ روما في يومها الأول اختباراً لمدى قدرة الولايات المتحدة على إيجاد «منطقة آمنة» يريدها لبنان لتقليص احتمالاتِ اقتياده إلى عين الإعصار المحتمل الذي يلوح في أفق الإقليم، وإن كان هذا الأمر لا يتّصل في مُرْتكزه الأساسي بالبُعد اللبناني بمقدار ما أنه محكومٌ بالدينامية التي ستعتمدها إيران في كيفية تحريك «أصولها» الاقليمية فوق رقعة المرحلة الأكثر خطورة من الصراع الأميركي - الإيراني، وأي من الخيارين ستلجأ إليهما:
هل تعتمد طهران إستراتيجية تفعيل كل أوراق نفوذها معاً، أم تلجأ هذه المرة إلى «احتياطي» جديد، مثل الحوثيين وباب المندب، حمايةً لِما بقي من قوة «حزب الله» أو تعبيراً عن أن الأخير لم يَعُد قادراً على تشكيل «السنَد الوازن» بعدما اضطرت قبل وقف النار على جبهة لبنان إلى التدخل «بيدها» لمحاولة فرض معادلاتٍ لتجميد استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت.
ومن خلف الإيجابية التي سادت بعد انتهاء اليوم الأول من مفاوضات روما التي تُستكمل اليوم على أرض أميركية هي مقر السفارة في العاصمة الإيطالية وبرعاية فريق أميركي من وزارة الخارجية، ارتسمتْ القطب المخفية في هذه الطاولة التي يُراد أن تطلق المسار التنفيذي من صيغة الإطار التي وُقعت بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في واشنطن (26 يونيو) وتحديداً لجهة تحديد المناطق التي سينطلق منها قطار الانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية مقابل انتشار الجيش اللبناني تحت إشراف أميركي.
وتتعاطى إسرائيل مع هذه المناطق التي تسميها «تجريبية» على أنها اختبارٌ لمدى جدية لبنان وجيشه وقدرتهما على الوفاء بالتعهدات المتصلة بسحب سلاح «حزب الله» خارج جنوب الليطاني، وهو ما يفسّر حرصها على أن تشمل طلائع هذه المناطق نقاطاً وقرى واقعة خارج نطاق احتلالها البري المباشر، بما يعكس واقعياً جوهر الصيغة الإطار لجهة ربْط الانسحاب الإسرائيلي الكامل بتفكيك البنية العسكرية للحزب في كل البلاد.
من جهته، يسعى لبنان لتفادي الظهور في موقع الخاضع لامتحان إسرائيلي، ويريد أن تكون المناطق المرشّحة للانسحاب «نموذجية» لقدرة الدولة على بسط سيطرتها بالتوازي مع انسحاب إسرائيل من مناطق محتلة بالفعل وليس بالنار، من دون تمييز بين جنوب الليطاني او شماله، وإن كانت بيروت تعتمد لغةً تترك مجالاً للتأويلات حيال الناظم لمسألة سلاح حزب الله شمال النهر وهل هو المفاوضات مع تل أبيب ومخرجاتها أم حوار داخلي في نهاية المطاف.
من هنا، بدا الوسيط الأميركي أمام مهمة التوفيق بين المقاربتين اللبنانية والإسرائيلية بما يساعد في إعطاء دفْعٍ تنفيضي لمسار واشنطن التفاوضي ويكرّس على الأرض الفصل عن جبهة إيران، دبلوماسياً، وبما يصعّب أيضاً على طهران استسهالَ زجّ الوطن الصغير في فم أي انفجار جديد سيتحمّل حزب الله مسؤوليته تجاه بيئته أولاً، وبما يثبّت في الوقت نفسه الإطار الناظم للحلّ المستدام على جبهة لبنان حتى لو عمدت طهران إلى تفجير «الحزام الناسف» الذي تلفّه به خدمةً لمعركة البقاء التي تخوضها.
ساعر
وفي حين أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، أنّه «يتوقع أنّ تُساعد المباحثات مع لبنان التي تُجرى في روما، على إحراز تقدم بشأن انسحاب قواته من منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان، ونحن مستعدون للمضي قدماً في هاتين المنطقتين»، اشارت المعلومات، بحسب وسائل إعلام لبنانية، إلى أن الوفد اللبناني الذي ترأسه السفير السابق سيمون كرم وضم السفيرة في واشنطن ندى حمادة معوض، ومستشار الرئيس جوزاف عون، العميد زياد هيكل، قدّم تصوراته الخطية التي تتضمن توضيحات الجيش حيال المناطق النموذجية وكيفية انتشاره فيها وآلية السيطرة عليها، في مقابل تقديم الجانب الإسرائيلي خطياً اعتراضاته ومخاوفه.
«إحداثيات» دبلوماسية
وبحسب المعلومات، فقد زوّد عون، الوفد بـ «إحداثيات» دبلوماسية فحواها أن الهدف النهائي بلوغ اتفاق حول كيفية تطبيق الصيغة الإطار أي كيف ينسحب الجيش الإسرائيلي من منطقة نموذجية محتلة ينتشر فيها بالتزامن الجيش اللبناني وتحديد موعد لذلك وترسيم خريطة الانسحابات وجدولتها زمنياً، على أن يكون الإشراف على هذه الآلية والتحقق من ترجمتها عبر الولايات المتحدة.
ووفق تقارير في بيروت نقلاً عن مصدر قريب من المفاوضات أن الوفد اللبناني لا يحمل أي شروط جديدة، وأن الأولوية تتمثل في تثبيت وقف النار والبدء بالانسحاب الإسرائيلي وإعادة انتشار الجيش اللبناني، تمهيداً لانطلاق عملية إعادة الإعمار، وأنه سيتم في ختام جولة اليومين في روما تشكيل لجان متعددة الاختصاصات لتعمل على تحقيق نجاح العمل في المناطق النموذجية في الجنوب على أن تتدخّل اللجنة السياسية عندما تدعو الحاجة.
وإذ نُقل عن مصادر الرئاسة اللبنانية، أن تأخر الوفد الإسرائيلي أكثر من ساعة وقسم من الوفد الأميركي قبيل انطلاق المفاوضات، أدى إلى تأخير بدايتها، وأن الخطوة الأولى بالنسبة للبنان تكمن في تسجيل انسحاب إسرائيلي من أول شبر من الأراضي اللبنانية، أفادت مصادر أخرى عبر وسائل إعلام محلية أن «وضع آلية تنفيذية للإطار أمر أساسي نظراً لوضوحه لناحية إنشاء اتفاق أمني طويل الأمد ولناحية احترام سيادة البلدين ما يدحض كل ما سبق من كلام عن مناطق عازلة أو اقتصادية».
«أنا ما شفت شي بعد»
وعلى وقع مضي «حزب الله» في رفع الصوت الأعلى بوجه المفاوضات مع إسرائيل ومهاجمة الصيغة الإطار وتخوين عون، مؤكداً أن «الاتفاق لن يمر وقد سقط»، برز موقف لرئيس البرلمان نبيه بري المتحفّظ بدوره عن هذا المسار، اذ قال رداً على سؤال حول إذا كانت التطورات الأخيرة تعزز خيار ربط لبنان بمسار واشنطن بدلًا من مسارات أخرى «أنا ما بزعل إذا حقق أي مسار نتيجة إيجابية تصب في خانة وقف العدوان وإنهاء الاحتلال»، مضيفًا «يا أخي، خلّيهم يحطّوا على عيني ويسكّتوني بإنجاز فعلي، وليس وهمياً... أنا ما شفت شي بعد».
وشدد على أن التفاوض المباشر الذي أفضى إلى «صيغة الإطار» لم يحقق حتى الآن أي نتائج ملموسة لمصلحة لبنان، مؤكداً أنه سيكون أول المرحبين بأي إنجاز يؤدي إلى الانسحاب الإسرائيلي، وعودة النازحين، وإطلاق الأسرى، وإعادة الإعمار، مضيفاً «ما يهمني في نهاية المطاف هو أكل العنب وليس قتل الناطور».
وأشار إلى أن غالبية المناطق المطروحة ضمن التصور للمناطق التجريبية ليست محتلة أساساً، محذراً من أن يكون الهدف من هذا الطرح توريط الجيش اللبناني في مواجهات داخلية.