من الخميس إلى الخميس

عندما وحّدتنا كرة القدم

تصغير
تكبير

هناك لحظات تعجز السياسة عن صناعتها، وتنجح فيها الرياضة ببساطة وعفوية؛ لحظات تسقط فيها الحدود من الذاكرة، وتعلو فيها راية الانتماء الكبير على كل الانتماءات الصغيرة.

هذا ما رأيناه في بطولة كأس العالم. لم تكن المدرجات تمتلئ بمشجعي منتخب واحد، بل كانت تمتلئ بقلوب عربية تنبض لفريق عربي، أياً كان اسمه وأياً كانت الراية التي يحملها؛ في الكويت، كما في القاهرة، والرباط، والرياض، والدوحة، والبحرين، وبغداد، وعمان، والجزائر، وتونس، ودمشق، وعدن، وكل مدينة عربية، كان المشهد واحداً: فرحة واحدة، ودعاء واحد، وأمنية واحدة أن يواصل المنتخب العربي رحلته.

ذلك لم يكن انتصاراً للرياضة وحدها، بل كان انتصاراً للحقيقة التي حاول كثيرون طمسها؛ فهذه الأمة، على الرغم من اختلاف أنظمتها وحدودها، ما زالت تمتلك لغة واحدة وثقافة مشتركة وقلباً واحداً؛ قد تختلف الحكومات، وقد تتباين المواقف السياسية، لكن الشعوب تعرف بالفطرة أن ما يجمعها أعمق بكثير مما يُفرّقها.

لقد أنفقت قوى الاستعمار، والقوى المعادية لأمّتنا قديماً وحديثاً، سنوات طويلة وهي تراهن على تفتيت الوعي العربي، وزرع الشقاق، وإحياء الهويات الضيقة على حساب الهوية الجامعة، وسارت في هذا الطريق جماعات وأحزاب ومصالح وأصوات وجدت في الفرقة تجارة رابحة؛ لكن مشهداً واحداً في مدرجات كرة القدم كان كفيلاً بأن يهدم كل تلك الأوهام.

عندما يهتف الكويتي لمصر، ويصفق السعودي للمغرب، ويذرف الأردني دمعة فرح لانتصار الجزائر، فإن الرسالة تكون أوضح من أي خطاب سياسي، وأبلغ من آلاف المقالات؛ إنها رسالة تقول إن الأمة العربية لم تمت، وإن جذورها ما زالت تضرب عميقاً في وجدان أبنائها.

قد تبدو كرة القدم لعبة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها مرآة للشعوب؛ وفي هذه البطولة رأينا في تلك المرآة صورة مشرقة لوطن عربي كبير، لا تحده الخرائط ولا تعرقله الحدود، وطن يسكن القلوب قبل أن يسكن الجغرافيا.

ولعل أجمل ما خرجنا به من هذه البطولة ليس عدد الأهداف، ولا أسماء الهدافين، ولا نتائج المباريات، بل ذلك الشعور النبيل الذي أعاد إلينا الثقة بأن الأمة التي تستطيع أن تفرح معاً، وتحلم معاً، وتلتف حول نجاح أحد أبنائها، هي أمة ما زالت تملك أسباب النهوض مهما اشتدت عليها المحن.

إن كرة القدم انتهت صافرتها في الملعب، لكن رسالتها يجب ألا تنتهي. فقد ذكّرتنا بأن ما يجمع العرب ليس مجرد تاريخ مشترك أو لغة واحدة، بل وجدان حيّ، وشعور قوي ومصالح واحدة وأمة لها تاريخ مجيد، أمة حملت راية التوحيد إلى كل بقاع العالم ونشرت الإسلام الحق في زمن كان الناس عطشى لمثل هذا الدين العظيم.

اليوم، إذا أُحسنا جميعاً الحفاظ على ثقافتنا ووحدتنا فلن تنجح كل محاولات التفريق، ولا مشاريع الاستعمار، ولا دعاة الانقسام والأقليات، لن ينجحوا في اقتلاع هذه الحقيقة الراسخة: أن الأمة العربية، من المحيط إلى الخليج، ستظل أمة واحدة في ضمير شعوبها، مهما تغيرت الظروف وتعاقبت الأزمنة.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي