أبعاد السطور

حبّة عنب تبني مسجداً

تصغير
تكبير

يُروى أن رجلاً تركياً ثرياً اسمه خير الدين أفندي، كان يخرج في صباح كل يوم إلى السوق ليُشرف على محلاته التجارية، ويشتري البضائع لها، ويبيع السلع للناس.

ذات مرة، حينما كان يجلس أمام أحد محلاته، مرّ به بائع العنب وهو يجر عربته، فاستوقفه خير الدين أفندي، واشترى منه بعض العنب الذي أعجبه، ثم أرسل العنب مع خادمه إلى زوجته في المنزل.

وعندما عاد خير الدين، مساءً إلى منزله كالعادة، طلب بعض العنب ليأكله، فأخبرته زوجته بأنهم أكلوا العنب كله ولم يبقَ منه شيء.

شعر خير الدين أفندي، بالدهشة والغضب من أن أهله أكلوا العنب كله ولم يذكروه ولو بحبة عنب واحدة!

ثم أخفى خير الدين أفندي، مشاعره، وقال لأهله بصوت عالٍ وهو يُظهر ابتسامة غير حقيقية: حسناً، «كأني أكلت». أي كأني أكلت معكم العنب.

فأخذ يفكر خير الدين في هذا الموقف، وقال في نفسه: لقد نسيني أولادي وبناتي وزوجتي، ولم يتذكروني ولو في حبة عنب، رغم أن العنب كثير، وأنا مَنْ اشتراه لهم، ومازلت حتى الآن حيّاً وأعيش بينهم وأكدح من أجلهم! فكيف لو أني متّ ورحلت عن الدنيا؟!

فخرج خير الدين فوراً من منزله، واشترى قطعة أرض من أحد أصدقائه، ثم ذهب مباشرة إلى أحد الرجال المعروفين بحُسن بناء وتشييد المباني، واتفق معه على بناء مسجد على تلك الأرض التي اشتراها للتو، وطلب منه أن ينقش لوحة باسم المسجد الذي يريد تسميته بـ«كأني أكلت» (Sanki Yedim).

بعد بنائه أصبح هذا المسجد معروفاً بسبب اسمه الغريب، والموقف الذي تسبّب في وجوده، والعِبرة منه التي تقول: اعمل الخير لنفسك في حياتك اليوم، قبل أن ينساك الناس بعد موتك، فلا تعتمد على الآخرين في الصدقة عنك، اغتنم حياتك قبل موتك.

يوجد مسجد «كأني أكلت» في حي زيرك (Zeyrek) بمنطقة فاتح في مدينة إسطنبول، تحديداً في شارع Kırbacı Sokak. وهو مسجد صغير نسبياً، مساحته الداخلية نحو 100 متر مربع، والخارجية نحو 130 متراً مربعاً، ويتسع لنحو 200 مصلٍ تقريباً. ويعود تاريخ بنائه الأصلي إلى القرن الثامن عشر في العصر العثماني، وقد تعرّض لأضرار بالغة جراء حرائق (منها حريق كبير قبل الحرب العالمية الأولى)، ثم أُعيد بناؤه مرات عدة، وكان آخر تجديد كبير بين عامي 1959 و1961.

وهكذا تبقى قصة «كأني أكلت» درساً بسيطاً لكنه عميق الأثر، يذكّرنا بأن الخير الذي نصنعه اليوم لأنفسنا هو الأبقى والأصدق، وأن ما نقدّمه لوجه الله تعالى في حياتنا هو الذي يرافقنا بعد رحيلنا.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي