أميركا أعادتْ «التوازن» لملف لبنان و«حزب الله»... «قَصَفَ» مسار واشنطن
- هل فشلت إيران في الاستحواذ على ورقة «بلاد الأرز»؟
- هيرتسوغ: كنت سأسعد لو استطعتُ أن أقود سيارتي وأذهب إلى بيروت
هل تعثّرتْ محاولةُ طهران ترسيخ واقع «حبل السرة» بين بيروت وبورغنشتوك في معرض رغبتها في تكريس وصايتها على ملف لبنان بعدما أمعنتْ في تَظهيرِ تَحَوُّله ما يشبه «محمية» إيرانية و«انتقال» قرار الحرب والسلم فيه من الوكيل، «حزب الله»، إلى «الأصيل»؟
سؤالٌ أطلّ برأسه في بيروت التي كانت مشدودةً إلى انطلاق المفاوضات التقنية - الفنية بين الولايات المتحدة وإيران في سويسرا بوساطةٍ باكستانية وقطرية والتي ارتقت طهران بملف لبنان، وإلزام واشنطن لإسرائيل بالتزام وَقْفِ النار فيه، ليكون «ظاهرياً» القفل والمفتاح في التوغّل في بنود مذكرة التفاهم «تَراتُبياً».
وبعدما كان «حزب الله» وعلى طريقة مَن يسدّد هدفاً في مرماه أفْرَط في نفْخ حجم الحماية التي باتت توفّرها إيران للبنان ولو على حساب نَسْفِ سردية أصل وجود سلاح الحزب، عبر كلام نائبه حسن فضل الله، عن أن «مَن يحمي بيروت اليوم هي الدبلوماسية المستندة إلى الصواريخ الإيرانية (...) والذي أنجز معادلة حماية الضاحية هي سواعد المقاومين والصواريخ الإيرانية (...)»، فإنّ تَكاتُفه وطهران على الدولة اللبنانية وسعْيهما لتجويف مَسارِ مفاوضاتها المباشرة مع إسرائيل في واشنطن بدا أنه لم يكن كافياً لتمرير المحاولةِ المثلثة الضلع من إيران:
- لاستخدام لبنان ووقف القتال على جبهته واجهةً لتمويه مكامن التعقيدات الحقيقية في الخطوات الأولى لمسار بورغنشتوك، من التعريفات والآليات المتصلة بالأصول المجمّدة إلى إعفاءات بيع النفط الإيراني.
- وتحويل ملف لبنان منصةً لاستعمال قوة الولايات المتحدة التي ألحقتْ بإيران خسائر هائلة كـ «طاقة بديلة» لها أرادتْ توجيهها نحو إسرائيل وبنيامين نتنياهو، على قاعدة محاربة الأخير بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وضمان معالجة قضية «حزب الله» في شكل جزئي يقتصر على وقف النار وانسحاب إسرائيل، من دون ربْط هذا الأمر بسحب سلاح «حزب الله» وتفكيك ترسانته بالكامل.
- ولجعْل نجاح إيران في إدراج لبنان بالاسم في متن الفقرة الأولى من مذكرة التفاهم بمثابة «رأس المسمار» الذي أرادتْ غرزه حتى النهاية في استقلالية القرار اللبناني وديبلوماسيته التي تخوض مفاوضاتٍ مباشرة مع إسرائيل، معتقدةً أنّ الرئيس ترامب، سيكون في وارد تحويل «الجبهة الثانوية»، أي لبنان، ساحة التراجع والتنازُل أمامها، كرمى لـ «الجبهة الكبرى» و«الصفقة الكبرى» التي ظنّت أنها ستكون رهينة لعبة الابتزاز التي تمارسها منذ أن استشعرتْ بأن واشنطن تستعجل بلوغ مذكرة التفاهم والاتفاق النهائي.
وبعدما انتزَعَتْ إيران نقطة إضافية بجعْل «بلاد الأرز» ووقْف النار فيها محوراً في مفاوضات سويسرا، لاحتْ عصراً مؤشراتٌ إلى حرص أميركي على تصحيح الصورة وإعادة «التوازن» إلى ملف لبنان ومقاربة واشنطن له، عبر ما يشبه الـ reset الذي قام به ترامب، شخصياً عبر منصته «تروث سوشيال» حيث عاود الإضاءة على «أصل المشكلة» وهي «وقف إيران فوراً لوكلائها الذين تموّلهم بسخاء في لبنان عن إثارة المشاكل، وإذا لم تفعل، فسنضرب إيران بقوة مجدداً، كما فعلنا الأسبوع الماضي، بل وبقوة أكبر»، بالتوازي مع تكراره سيناريو استدعاء سوريا والرئيس أحمد الشرع لمواجهة «حزب الله»، وإحيائه «معادلات رعب» بوجه طهران في ما خص مسار المفاوضات بكلّيته.
واعتبرتْ أوساط سياسية أنّ «القصف العنيف» الذي قام به «حزب الله» في أولى ساعات المساء (أي بعد مواقف ترامب) لمسار مفاوضات واشنطن اللبنانية – الإسرائيلية قبل يومين من جولتها الجديدة وعلى السلطة اللبنانية للضغط عليها للانسحاب من هذا المسار، عَكَسَ أنّ طهران لم تتمكّن من فرْض رغبتها في ما خص انتزاع «تلزيمٍ» ضمني لملفّ لبنان لها أو من قطْع الطريق على مضي واشنطن في اعتبار المفاوضات التي ترعاها بين بيروت وتل أبيب الوعاءَ الأكبر لهذا الملف - ومن ركائزه بتّ سلاح «حزب الله» - وإن كانت الولايات المتحدة لم تمانع جعْل وقف النار بصيغته «المطبَّقة» أحد «الحوافز» لطهران لولوج المفاوضات التقنية.
«حزب الله»
فـ «حزب الله» أعلن في بيان له أنه «بات واضحاً ومؤكداً أن جولات التفاوض المباشر التي سيق إليها وفد السلطة اللبنانية إلى واشنطن، ليهز برأسه ويبصم على ما تسطّره الإدارة الأميركية من إملاءات تصادر سيادة لبنان، وتنقل موقعه السياسي إلى ضفة المتصالحين مع الاحتلال الصهيوني وكيانه اللقيط، ليس مأمولاً على الإطلاق أي خير ينجم عنها، لأن منطلقها خاطئ ومريب وهدفها إذعان واستسلام».
ودان «نهج التفاوض المباشر مع العدو الصهيوني وجولاته وما ينجم عنها، وندين وظيفتها التعطيلية التي تشكل عثرة في مواجهة مشروع العدو وجهود الميدان المقاوم والتضحيات الكبيرة لشعبنا العظيم، والتي يمكن للسلطة تثميرها والضغط بأوراق القوة هذه، لتحقيق انسحاب كامل وغير مشروط من أرضنا اللبنانية»، معتبراً «أن مواصلة الحضور في جلسات التفاوض المباشر هو تنفيذ لأمر اليوم الذي تُصدره الإدارة الأميركية للسلطة اللبنانية، التي تُلبّي متفردة بقرارها وبمعزل، مخالفة للميثاق والدستور والقوانين، وتستجيب لما تعمل له أميركا وإسرائيل في زيادة المخاطر على لبنان واستقراره واستقلاله وسيادته».
ورأت الأوساط السياسية أن هذه المناخات ستُبْقي لبنان، الذي صمدت فيه الهدنة الأحد، «طنجرة ضغطٍ» تُقَوّي النارَ تحتها كل من تل أبيب وطهران، وفق «الحرارة» التي تُناسب معركتَها وطبيعتها:
- إسرائيل لتثبيت مصالحها الإستراتيجية والأمنية وكـ «بوليصة تأمين» لها بإزاء أيّ عدم مراعاةٍ أميركيةٍ لأولويات الدولة العبرية في ملفي لبنان وإيران، خصوصاً في ضوء وقائع الأيام الأخيرة التي ظهّرت أن علاقة الدولتين الـ ما فوق حليفتين تسودها فجوةٌ عميقة، حتى ثبوت العكس لجهة أن الأمر هو في سياق هوامش مناورة منسَّقة.
- وإيران بعدما «ذاقتْ طَعْمَ» أهمية ورقة لبنان و«حزب الله» في انتزاعِ تراجعاتٍ من واشنطن - «موصولة» في بعض النقاط ولو «قسراً» بإسرائيل - وصولاً لتعليقها «إقلاع» مفاوضات سويسرا ليومين على عنوان إلزام إسرائيل باحترام البند الأول في مذكرة التفاهم (وقف القتال على جميع الجبهات بما في ذلك لبنان) ومعاودة تفعيلها «النووي الاقتصادي» اي قفل مضيق هرمز، ولو... إعلامياً.
تشدد إسرائيلي
ولم يكن عابراً ان إسرائيل واكبت مسار سويسرا بمواقف بالغة التشدد بدت أقرب إلى رسائل في مختلف الاتجاهات، وأبرزها لوزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي أعلن «أن الجيش الإسرائيلي غير مقيّد في عملياته داخل لبنان»، وأن «القوات الإسرائيلية ستواصل العمل لإزالة التهديدات أينما وُجدت».
واعتبر أن وقف النار الذي أُعلن السبت لا يفرض أي قيود على تحركات الجيش الإسرائيلي، موضحاً أن قواته ستبقى في جميع المواقع التي تحتلها ضمن ما تسميه إسرائيل «المنطقة الأمنية» الهادفة إلى حماية مستوطنات الشمال. وأضاف أن بلاده لن تنسحب من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان رغم سريان وقف النار.
وفيما قال الرئيس إسحاق هيرتسوغ «كنا سنكون سعداء بالسلام مع لبنان»، مضيفاً عبر «فوكس نيوز»: «كنت سأسعد لو استطعت أن أقود سيارتي وأذهب إلى بيروت»، برزت زيارة رئيس الأركان ايال زامير، لجنوب لبنان حيث أجرى تقييماً للوضع مع قادة الألوية المناورة، معلناً «نواصل القتال. هدفنا واضح ولم يتغير: حماية بلدات المنطقة الشمالية ومواطني دولة إسرائيل. ولهذا نوجّه جميع جهودنا؛ كما أن النشاط في منطقتيْ علي الطاهر والبوفور (قلعة الشقيف) يهدف إلى خدمة هذه الغاية».
ولفت زامير، إلى «أن وقف النار الذي تم الإعلان عنه هشّ، ويجب أن نكون على درجة عالية من الجاهزية لاستئناف العمليات القتالية، وإحباط التهديدات، والانتقال السريع إلى الهجوم إذا اقتضت الحاجة. وقد خُصصت جميع موارد جيش الدفاع لهذا الغرض».
وأضاف: «يُعد أحد مراكز الثقل الحالية لقيادة المنطقة الشمالية منطقتيْ علي الطاهر والبوفور (قلعة الشقيف)، حيث أقام حزب الله مجمعاً حصيناً تحت الأرض على مدى 20 عاماً».
وكانت صحيفة «يسرائيل هيوم» كشفت أنّ إسرائيل نقلت رسالة إلى الولايات المتحدة أبلغتها فيها أنّها اكتشفت عشرات الأنفاق المليئة بمعدات عسكرية حديثة من إنتاج إيراني في جنوب لبنان وأنه «في بعض هذه الأنفاق توجد مراكز قيادة وتحكم وسيطرة تابعة لـ«حزب الله»، ما يمنحه قدرة كاملة على السيطرة ومواصلة إدارة الحرب ضدّ إسرائيل» وأن هذه الأنفاق تُعدّ جزءا من بنية تحتية استثنائية وغير مسبوقة وهي«مركز الأعصاب» لوحدة «بدر» التابعة لـ«حزب الله»، ومدينة تحت أرضية متطورة تفوق بكثير أنفاق«حماس» في قطاع غزة.
وقبْلها أعلن الجيش ان «العشرات من مقاتلي الحزب محاصرون في أنفاق تحت تلة علي الطاهر»، فيما أعلنت إذاعة الجيش «أن منطقة علي الطاهر تضم مجمعاً مركزياً تابعاً للحزب تحت الأرض، إضافة إلى المقر الرئيسي لوحدة بدر».
وأضافت «أن العملية التي قُتل خلالها طاقم دبابة وقائد كتيبة كانت تهدف إلى السيطرة على أنفاق في منطقة علي الطاهر، ضمن العمليات العسكرية الجارية هناك».
ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، عن مصادر أمنية، أن «العمليات القتالية تدار في القطاع الجنوبي انطلاقاً من موقع علي الطاهر حيث يجري تفعيل أنظمة النيران وتخزين كميات كبيرة من الأسلحة، ونظراً لعمق الموقع وتحصيناته، فمن الصعب للغاية استهدافه بضربات جوية فحسب»، موضحة أن «محاصرة عدد من عناصر الحزب في علي الطاهر يشكّل أحد أسباب تصاعد إطلاق النار من جانب الحزب في الأيام الأخيرة في محاولة لتخفيف الضغط عن عناصره المحاصَرين».