معركة الوجود في جنوب لبنان... قراءة في الاستنزاف الإسرائيلي وأزمة الحسم
- مقتل 36 ضابطاً وجندياً إسرائيلياً في لبنان منذ مارس
- خلق آلية تنسيق مع السوريين ودفع الأميركيين والفرنسيين لتقديم رعايتهم في محاولة لتغيير قواعد اللعبة الإقليمية
في مشهد يعيد إنتاج سيناريوهات المواجهة الماضية، تشهد الجبهة الجنوبية اللبنانية تصعيداً نوعياً في وتيرة الخسائر الإسرائيلية، حيث ارتفعت حصيلة القتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي منذ الثاني من مارس الماضي إلى 36 قتيلاً، بينهم ضباط، وإصابة العشرات، في مؤشر دامغ على تحول طبيعة المعركة من مواجهة نظامية إلى حرب استنزاف معقدة، يستخدم فيها «حزب الله» تكتيكات حرب العصابات مستفيداً من تضاريس جنوب لبنان الوعرة وشبكات الأنفاق المحصنة التي حولها إلى معقل إستراتيجي منيع.
ويكشف المحلل العسكري آفي أشكنازي، في صحيفة «معاريف» عن أبعاد إستراتيجية أعمق، مشيراً إلى أن إسرائيل تخوض حرباً من القرن الماضي في مواجهة خصم يمتلك عقيدة قتال حديثة، حيث أقام «حزب الله» منظومات هجومية إستراتيجية تحت جبال علي الطاهر، تضم عشرات الأنفاق وغرف القيادة والمستشفيات ومخازن السلاح الهائلة، في تحضير دقيق لحرب طويلة الأمد.
هذا التحليل يرى أن الحزب أعاد تنظيم نفسه ميدانياً، منتقلاً من نمط القتال النظامي إلى «حرب العصابات» وفق إستراتيجية الفسيفساء القائمة على مجموعات لا مركزية تعتمد تكتيك «اضرب واهرب»، مستخدماً ثلاثة أسلحة رئيسية: الصواريخ، والمضادات للدروع، والطائرات المسيرة، إضافة إلى القنص، في مزيج قتالي يهدف إلى إطالة أمد المواجهة واستنزاف القوات الإسرائيلية.
توصيف أشكنازي، للواقع الحالي بأنه «حرب وقف إطلاق النار» يعكس المفارقة التي تعيشها إسرائيل، حيث يخوض جيشها معارك ضارية تحت قيود أميركية صارمة تحدد له ساحات القتال وأساليبه، وتجرده من عنصر المفاجأة والقدرة على الحسم.
فالإدارة الأميركية، وعلى لسان الرئيس دونالد ترامب، الذي وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بأنه «يتحمس أحياناً أكثر من اللازم»، تفرض قواعد اشتباك تقيد الحركة العسكرية الإسرائيلية، وتمنعها من شن ضربات جوية في العمق اللبناني، بما في ذلك بيروت وضاحيتها الجنوبية والبقاع، في تنازل إستراتيجي أثّرت فيه المطالب الإيرانية عبر القنوات الدبلوماسية.
وهذا يفسر لماذا تحولت العمليات إلى ما وصفه أشكنازي، بـ«الروليت الروسية» التي يمارسها الجيش الإسرائيلي في لبنان، من دون أهداف إستراتيجية واضحة، ومع ثمن باهظ بالأرواح.
جبهة موحدة
في تطور إستراتيجي خطير، لم تعد الجبهة اللبنانية معزولة عن مسرح العمليات الأوسع، إذ أفادت تحليلات عسكرية بأن إيران و«حزب الله» يديران عمليات متزامنة وفق مخطط موحد، حيث تطلق صواريخ من لبنان لإشغال واستنزاف منظومات الدفاع الإسرائيلية، بالتوازي مع صواريخ تطلق من إيران تستهدف وسط إسرائيل وجنوبها، حيث تتركز الكثافة السكانية والاقتصادية.
وهذا التنسيق يمثل تحدياً غير مسبوق للتفوق العسكري الإسرائيلي، إذ نجح في ربط الجبهات وفرض معادلات جديدة أقرت بها إسرائيل تحت الضغط الأميركي، وهو ما اعترف به أشكنازي، عندما قال إن «الإيرانيين نجحوا في الربط بين الساحات، واضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى الاستسلام في هذا الشأن، حين قبلت الإملاءات الأميركية التي فرضت عليهم من قبل الإيرانيين».
الرؤية الإستراتيجية الغائبة
يتفق المحللون الإسرائيليون على أزمة سياسية وإستراتيجية عميقة تعصف بالمؤسسة القيادية في تل أبيب. عاموس هرئيل، في «هآرتس» يصف الوضع بأنه «جمود نازف»، مشيراً إلى أن «حزب الله»، رغم خسائره، ينجح في تعطيل الحياة في مناطق ليست صغيرة قرب حدود لبنان، ويجبي من الجيش الإسرائيلي عدداً من القتلى وعشرات الجرحى كل أسبوع.
ويضيف هرئيلإ أن الجيش الإسرائيلي يتوغل داخل الأراضي اللبنانية بغض النظر عن الهدف الأصلي للعملية، في غياب رؤية إستراتيجية واضحة، ومع ثمن باهظ بالأرواح.
أما إيال زيسر، في «إسرائيل اليوم» فيذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن ما جرى في إيران ولبنان يمثل «فشلاً» يستوجب الاعتراف به، وأن إسرائيل «هي الخاسرة الأكبر من اتفاق استسلام ترامب، للإيرانيين» في نظر العالم ومحيطها.
ويشير إلى أن «النظام الإيراني خرج أقوى، وهو يؤمن بأنه أزال تهديد الهجوم الأميركي ضده، وأن حزب الله، بفضل الهدوء الذي منحته إياه إسرائيل، سيعمل على ترميم قوته وإعادة ملء ترسانته».
نحو مواجهة مفتوحة أم انسحاب إستراتيجي؟
تشير المؤشرات الميدانية والسياسية إلى أن المواجهة في جنوب لبنان مقبلة على مزيد من التصعيد، مع استمرار «حزب الله» في تنفيذ عمليات كثيفة في عدة محاور، مستخدماً صواريخ موجهة ونيراناً مركزة ضد المدرعات، وإطلاق رشقات صاروخية مكثفة باتجاه أهداف إستراتيجية داخل إسرائيل، بما في ذلك حيفا التي تضم قاعدة بحرية ووحدات خاصة ومرافق حيوية.
في المقابل، تواجه إسرائيل معضلة مزدوجة: من جهة، الضغوط الأميركية التي تدفع نحو انسحاب سريع، ومن جهة أخرى، الإكراهات السياسية الداخلية التي يمليها وزراء اليمين المتطرف، وفي مقدمهم إيتمار بن غفير، الذي دعا إلى «إحراق لبنان» و«إبكاء ألف أم لبنانية مقابل كل دمعة أم إسرائيلية»، في خطاب تصعيدي يهدد باشتعال المنطقة بأسرها.
وتبقى القضية الأكثر إلحاحاً هي مسألة الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان، حيث يرى أشكنازي، أن التمسك بالأراضي اللبنانية وإقامة حزام أمني، كما فعلت إسرائيل سابقاً، هو حرب من القرن الماضي خرجت منها «ذيلها بين رجليها» بعد نحو 20 عاماً.
ويدعو إلى بناء خطة سياسية عبر تعزيز الحكومة اللبنانية، وتأمين دخول القوى العربية المعتدلة إلى لبنان، وخلق آلية تنسيق مع السوريين، ودفع الأميركيين والفرنسيين لتقديم رعايتهم، في محاولة لتغيير قواعد اللعبة الإقليمية.
ويشير مقال هرئيل، في «هآرتس» إلى أن الإدارة الأميركية، وتحديداً نائب الرئيس جاي دي فانس، شددت على أن من الأفضل لإسرائيل التزام الصمت وتحمل العواقب، لأن اعتمادها على الولايات المتحدة يكاد يكون تاماً.
ويضيف أن ترامب، يفرض قيوداً شديدة على الضربات الجوية الإسرائيلية في بيروت، لاعتباراته الخاصة، وهو حريص على تنفيذ مذكرة التفاهم التي وقعها مع إيران ووقف الحرب في منطقة الخليج، ويخشى أن تعرقل إسرائيل خططه بتصعيد الصراع في لبنان.
فشل إستراتيجي أم احتساب خاطئ؟
في تحليل نشرته صحيفة «إسرائيل اليوم»، يذهب المحلل إيال زيسر، إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن ما جرى في إيران ولبنان يمثل «فشلاً» يستوجب الاعتراف به.
ويكتب: «لا ينبغي الخوف من الاعتراف بأننا فشلنا. فالاعتراف بالفشل هو الخطوة الأولى على طريق الإصلاح».
ويضيف زيسر: «بالنسبة للكثيرين عندنا وفي العالم، وبخاصة بالنسبة للرئيس ترامب، فإن الحقيقة هي خيار وليست بالضرورة الخيار الذي يأخذون به. لكن حتى لو أخذنا بحقيقة أولئك الذين يتفاخرون بأننا حققنا نصراً تاريخياً، فإننا لا يمكننا أن نتجاهل حقيقة أنه في نظر العالم كله، وما هو أهم - في نظر محيطنا، إسرائيل هي الخاسرة الأكبر من اتفاق استسلام ترامب، للإيرانيين».
ويخلص زيسر، إلى أنه «لكل خطوة عسكرية يجب أن تكون نقطة خروج ترجمتها إلى إنجاز سياسي بالضبط مثلما فعل دافيد بن غوريون، في حرب السويس وفي الـ 1948 تأسيس إسرائيل».