لمَن تنسحب إسرائيل مِن الجنوب... لمَسار إيران أم لبنان؟

دمار واسع في بلدة دير قانون النهر جنوب لبنان (أ ف ب)
دمار واسع في بلدة دير قانون النهر جنوب لبنان (أ ف ب)
تصغير
تكبير

مع العَدّ العَكْسي لـ «جمعة التوقيع الحضوري» على مذكّرة التفاهم الأميركية - الإيرانية في سويسرا، ارتسمتْ في بيروت مؤشراتٌ إلى بدء اختبار اسرائيل بالنار وإن «المضبوطة الحماوة» صبرَ الرئيس دونالد ترامب على جبهة لبنان وتالياً القيودَ الجديدة التي وَضَعَها عليها في حربها مع «حزب الله»، في موازاةٍ ملامح سباقٍ جديد بين طهران ومسارها التفاوضي مع واشنطن، وبين الدولة اللبنانية ومسار مفاوضاتها مع تل أبيب حول لمَن «أبوّة» الانسحاب الاسرائيلي من «بلاد الأرز»، وهو العنوان الذي سيكون بعد «وَقْفِ القتال على كل الجبهات» البند «المُلاصِق» للنووي على طاولة الـ 60 يوماً (القابلة للتمديد) التي ستجمع واشنطن وطهران تمهيداً لاتفاقٍ نهائي.

وفي وقت كانت الإشاراتُ تزداد إلى أن ترامب يُبْقي اسرائيل في «النقطة العمياء» من مذكرة التفاهم رافضاً اطلاعها على تفاصيلها، وسط إجماعٍ في تل أبيب على أن الدولةَ العبريةَ هي مِن أكبر الخاسِرين في هذا الاتفاق الذي تُقتاد قسراً لالتزام موجباته المتعدّدة البُعد، بدا أنّ بنيامين نتنياهو الذي مَضى ترامب في مخاطبته عبر المنابر كما فعل من فرنسا، ملمحاً مجدداً إلى «كف يده» عسكرياً عن لبنان لمصلحة «ان تتولى سوريا أمر حزب الله بدل اسرائيل وأعتقد أنهم سيقومومن بعمل أفضل»، يسعى لترسيم قواعد اشتباك جديدة في جنوب لبنان لتَحْكم مرحلةَ المفاوضات المعمّقة، محاولاً السير بين نقاطِ «تحريم» واشنطن على اسرائيل الاستمرار في التصعيد ودعوتها إياها لقَصْر العملياتِ على «الدفاع عن النفس».

وإذ كان نتنياهو برّر الاثنين، حصولَ هجماتٍ في جنوب لبنان وخارج الخط الأصفر بمحاولةِ تقدُّمٍ ضدّ قوات اسرائيلية، فإنّ تَمَدُّدَ العمليات الثلاثاء، وصولاً الى جرود سرغايا على الحدود اللبنانية - السورية - على وقع إعلان وزارة الصحة اللبنانية سقوط 28 قتيلاً و70 جريحاً في آخر 24 ساعة - أي بعد التوقيع الالكتروني على مذكّرة التفاهم - عَكَسَ مخاوف من إمكان أن يَبقى الجنوب في مرحلة المفاوضات الانتقالية، إما ساحة «تنفيس ضغطٍ» من تل أبيب بوجه «الانقضاض الداخلي» على رئيس وزرائها على خلفية «الكارثة الاستراتيجية» التي كان له «صفر تأثير» في الحؤول دونها، وإما لمحاولةٍ جديدة للتخريب على الطاولة الأميركية - الإيرانية وعرقلة بلوغها اتفاقاً نهائياً.

ورغم اقتناع أوساط سياسية بصعوبة أن يكرّر نتنياهو «المحاولات الطائشة» لعرقلة مسار اسلام اباد، على غرار ما فعل يوم الأحد بالغارة على الضاحية الجنوبية، بعدما أدى هذا الهجوم الى «انقلاب السحر على الساحر» وتسريع استيلاد مذكّرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران ومَنْحِ الأخيرة ورقةَ ابتزازٍ لترامب في الدقائق الخمس الأخيرة لقاء عدم الردِّ وضرْب اسرائيل وتالياً تعريض كل المفاوضات للانهيار، فإنّ هذا لا يُسْقِط بأي حالٍ بقاء جبهة لبنان محور ضغطٍ في اتجاهين متعاكسين، من طهران كما تل ابيب، ربْطاً بـ «الحرب الكبيرة» (مع ايران) و«الحرب الصغيرة» (مع حزب الله) التي تتأثّر بمجريات الأولى ومسار إخمادها والتي أظهرتْ الساعات الأخيرة قبل اتفاق الأحرف الأولى (بين ايران وأميركا) قدرتها على التأثير في «الجبهة الأمّ».

وعلى وقع الغموض الكبير بإزاء مدى صحة إدراج انسحاب اسرائيل من لبنان ضمن «مذكّرة التفاهم»، رأت أوساط سياسية أنه قبل 5 أيام من موعد الجولة الجديدة من المفاوضات على مسار واشنطن في 22 و23 و24 يونيو، يلوح في الأفق تَسابُقٌ بين لبنان الرسمي وإيران حول أيٍّ منهما ينجح في فرْض سحب اسرائيل قواتها في ضوء ما أعلنه نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس حول «الانسحابِ التدريجي»، والخشية من أن تجد تل ابيب نفسَها مجدداً أمام ضغطٍ أميركي لفعْل ذلك على توقيت مفاوضات الـ 60 يوماً مع طهران في حال برزتْ مؤشراتٌ إلى أن هذا المسار جدّي وقابل لإنتاج اتفاقٍ وفق الشروط التي استشعرتْ معها طهران بأن ترامب مستميت على الخروج من الحرب، ما جعلها وفق مستشاره السابق للأمن القومي جون بولتون «تتلاعب به كالعزف على الكمان».

ورغم صعوبة استشراف مآلات مفاوضات الـ 60 يوماً، فإنّ ثمة اعتقاداً أن نتنياهو المكبّل اليدين بوجه الرئيس الاميركي، قد يجد نفسه أمام مفاضَلة بين رَبْطِ الانسحاب بضغوطٍ إيرانية على واشنطن ستنقلب عليه وتزيد رصيد طهران الاقليمي وتحصر المقابِل لهذه الخطوة بسحب «حزب الله» سلاحه من جنوب الليطاني، وبين منْح هذا التنازل للمُفاوِض اللبناني على طاولة واشنطن وسقفها تفكيك كامل ترسانة الحزب وحصر السلاح في كل لبنان بيد الدولة، وطبعاً من دون أن يُسْقِط ذلك إمكانَ قلْب رئيس الوزراء في لحظةٍ ما الطاولة بوجه الجميع رغم كل ما قد يترتّب على ذلك سياسياً وعسكرياً.

وعلى وهج التقارير عن تصعيد إسرائيل من وتيرة اعتداءاتها حيث استهدفت العديد من السيارات (لعائدين) في منطقة النبطية ما ادى في حصيلة اولية الى سقوط أربعة مواطنين ووقوع جرحى، لم يكن عادياً تظهير إيران العلني لمسألة انسحاب اسرائيل باعتبارها مطلباً لطهران، بالأمس واليوم وغداً، وقد أكد كبير مفاوضيها رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف خلال اتصال برئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري «أن على إسرائيل الانسحاب من المناطق المحتلة في لبنان»، معلناً في منشور عبر قناته على «تيليغرام»، «يجب أن يعود سكان جنوب لبنان إلى ديارهم».

كما قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن نهاية الحرب في لبنان تُعدّ «موضوعاً ملزماً» لإنهاء الحرب مع إيران، موضحاً أن الطرف الأول في مذكرة التفاهم هو لأميركا وإسرائيل، فيما يضم الطرف الثاني إيران والحزب، مضيفاً «إنهاء الحرب في لبنان جزء لا يتجزأ من إنهاء الحرب في إيران ويشمل انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية».

في موازاة ذلك، حاول لبنان ترتيبَ أوراقِه في ضوء مذكرة التفاهم، ساعياً إلى تزخيم مسار واشنطن التفاوضي وتحقيق مكاسب للدولة في الشق المتعلق بانسحاب اسرائيل والتزامها وقف النار.

وأكد الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام «ثبات الموقف اللبناني في مفاوضات واشنطن لجهة الوقف النهائي لاطلاق النار وانسحاب القوات الاسرائيلية من الأراضي التي تحتلها وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية وعودة الأسرى اللبنانيين وإطلاق مسيرة الإعمار».

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي