رائد الأعمال الأميركي بول غراهام يعتبر أن تكوين الثروات ببناء شركات قادرة على تلبية الاحتياجات الحقيقية للمستخدمين

كيف تجني مليار دولار؟

تصغير
تكبير

- «فيسبوك» و«إير بي إن بي»، بدت لكثيرين مشاريع محدودة الإمكانات قبل أن تتحوّل شركات عالمية
- شركات عملاقة بدأت كتجارب شخصية لا مشروعات خُطط لها لتصبح إمبراطوريات
- الابتكار الحقيقي ينشأ من الفضول والرغبة في حل مشكلة لا من السعي المباشر وراء الثروة

في كلمة ألقاها أمام أعضاء اتحاد أكسفورد، تناول المستثمر ورائد الأعمال الأميركي بول غراهام، المؤسس المشارك لحاضنة الأعمال العالمية «واي كومبيناتور»، سؤالاً: كيف يجني الإنسان مليار دولار؟

وانطلاقاً من خبرته الممتدة لأكثر من عقدين في تمويل الشركات الناشئة، سعى غراهام إلى تفكيك الأفكار الشائعة حول تكوين الثروات الضخمة، موضحاً أن الطريق الأكثر شيوعاً للوصول إلى هذه المستويات من الثروة لا يقوم بالضرورة على الاحتكار أو الاستغلال، بل على بناء شركات قادرة على تحقيق نمو متسارع عبر تلبية احتياجات حقيقية لدى المستخدمين.

مفهوم النمو

ويستند غراهام في رؤيته إلى تجربة «واي كومبيناتور»، التي موّلت منذ تأسيسها عام 2005 نحو 6500 شركة ناشئة وأسهمت في ظهور عشرات المليارديرات حول العالم.

ويشير إلى أن المشكلة لا تكمن في استحالة تكوين الثروة، بل في عدم استيعاب مفهوم النمو الأسي.

فحين صرّح أحد السياسيين الأميركيين بأن الوصول إلى مليار دولار أمر مستحيل دون ارتكاب تجاوزات، شبّه غراهام هذا الرأي بمدرب تزلج يسمع شخصاً يؤكد أن تنفيذ قفزة ثلاثية أمر مستحيل، فالصعوبة لا تعني الاستحالة.

ولإيضاح فكرته، استشهد بمؤسسة شركة ناشئة استثمر فيها، والتي أخبرته أن شركتها حققت نمواً شهرياً بلغ 93 %. وأوضح لها أن ثروتها الشخصية تنمو بالمعدل نفسه تقريباً، ليس لأنها تستغل أحداً، بل لأن المستخدمين أحبوا المنتج الذي طورته هي وشريكتها وبدأوا بالتوصية به لأصدقائهم. وحسب حساباته، فإن شركة تبلغ قيمتها مليوني دولار وتواصل النمو بهذا المعدل يمكن أن تصل إلى مستوى المليار دولار خلال أقل من 10 أشهر.

كما طرح مثالاً أكثر تحفظاً لشركة تحقق نمواً شهرياً بنسبة 15 %، وهو معدل يراه شائعاً في قطاع التكنولوجيا. على سبيل المثال، شركة تُحقق إيرادات شهرية قدرها 10 آلاف دولار قد تصل، إذا استمر هذا النمو لعدة سنوات، إلى عشرات الملايين من الدولارات شهرياً. ومن هنا يؤكد أن النمو المتراكم عبر الزمن قد ينتج نتائج تبدو غير قابلة للتصديق لمَنْ ينظر إليها من الخارج.

ويختصر غراهام معادلة تكوين الثروة في عاملين أساسيين: معدل النمو، والمدة التي يستمر خلالها هذا النمو. أما حجم السوق فيحدد قدرة الشركة على مواصلة التوسع لفترة طويلة. وكلما نجحت الشركة في الحفاظ على نموها داخل سوق واسعة، ازدادت قيمتها وازدادت معها ثروة مؤسسيها.

لكن السؤال الأهم بالنسبة له ليس كيف تتكوّن الثروة، بل كيف تنشأ الأفكار القادرة على صنعها.

وهنا يقدم نصيحة تبدو بسيطة لكنها كانت نقطة انطلاق لكثير من الشركات الناجحة: «اصنع ما تحتاجه أنت وأصدقاؤك. فالشباب لا يملكون دائماً خبرة واسعة بالأسواق، لكنهم يفهمون احتياجاتهم الخاصة أكثر من أي شخص آخر، وبما أنهم غالباً أول مَنْ يتبنى التقنيات الجديدة، فإن احتياجاتهم الحالية قد تتحوّل إلى طلب واسع النطاق في المستقبل».

كما يحذّر من البحث المتعمد عن «فكرة مشروع». وحسب رأيه، تظهر أفضل الأفكار عندما يعمل الناس على مشكلات تهمهم فعلاً، لا عندما يجلسون للبحث عن فرصة استثمارية.

والأفكار العظيمة تبدو في بدايتها غريبة أو غير منطقية. ويستشهد بشركات مثل «فيسبوك» و«إير بي إن بي»، التي بدت للكثيرين مشاريع محدودة الإمكانات قبل أن تتحول إلى شركات عالمية. ويكشف أن فريق «واي كومبيناتور» نفسه لم يكن مقتنعاً تماماً بفكرة «إير بي إن بي» عند بدايتها، لكنه راهن على مؤسسيها.

ويضيف أن كثيراً من الشركات العملاقة بدأت كمشاريع جانبية أو تجارب شخصية، لا كمشروعات خُطط لها منذ البداية لتصبح إمبراطوريات اقتصادية، منوهاً إلى أن الابتكار الحقيقي ينشأ غالباً من الفضول والرغبة في حل مشكلة واقعية، لا من السعي المباشر وراء الثروة.

ويختتم غراهام حديثه بالتأكيد على أن العنصر الأكثر أهمية في بناء شركة ناجحة ليس الاستغلال، بل التعاطف مع المستخدمين. فالمؤسسون الأكثر نجاحاً هم أولئك القادرون على فهم احتياجات الناس بعمق وتقديم حلول تجعل حياتهم أفضل.

وعندما يحدث ذلك، يصبح النمو نتيجة طبيعية، وتتحوّل القيمة التي خُلقت للمستخدمين إلى قيمة اقتصادية للمؤسسين والمستثمرين، ومن وجهة نظره، فإن فهم هذه الحقيقة ضروري لرواد الأعمال وصُنّاع القرار على حد سواء، لأن الثروة في اقتصاد الابتكار تُبنى أساساً على خلق قيمة حقيقية، لا على استغلال الآخرين.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي