حرب النفوذ... فرنسا الحرّة بين واشنطن ولندن

تصغير
تكبير

في مذكراته «النفير»، تحدّث شارل ديغول، أكثر من مرة عن محاولات الحلفاء –كما يصوّرها– لإعادة استعمار المستعمرات الفرنسية لصالحهم، خصوصاً تلك الموالية لحكومة المارشال بيتان، التي كانت تمثل الحكومة الفرنسية المتعاونة مع أدولف هتلر.

ومن أولى هذه المحاولات، محاولة السيطرة على جزيرتي سان بيير وميكلون الواقعتين قرب كندا.

فقد اجتمع فرانكلين روزفلت وونستون تشرشل وديغول في أوتاوا –كندا– للتشاور حول مستقبل المستعمرات الفرنسية في الأميركتين والمحيط الهادئ، وإمكانية إدارتها من قبل فرنسا الحرة، إلا أن الاجتماع انتهى بتأجيل يثير الشكوك.

وكان هذا الشك يراود ديغول، لأن الأميركيين لم يحسموا موقفهم من الحرب آنذاك، ولم يعترفوا به كممثلٍ شرعي لفرنسا.

وبالفعل، ما إن انتهى الاجتماع حتى اجتمع روزفلت وتشرشل، سراً للتشاور حول مستقبل هذه الجزر، خصوصاً تلك الغنية بالموارد، والتي يسيل لها اللعاب «الاستعمارية».

وكانت البداية بمحاولة وضع جزر سان بيير وميكلون تحت تصرف الحلفاء بغطاء «الوصاية الدولية»، متجاهلين بذلك ديغول، ومشروع فرنسا الحرة.

صُعق ديغول -حسب وصفه- عندما عَلمَ بالأمر، أمر بحريته بالتحرك فوراً لاستعادة الجزيرتين قبل وصول الحلفاء، وكانت أوامره صارمة:

«استخدموا القوة واضربوا أي سفينة تحاول منعكم من استعادة أرض فرنسية».

وبالفعل تحركت بحريته، وكادت أن تتصادم مع البحرية الكندية، حيث تبادل الطرفان رسائل التهديد، وصوّب كلٌ منهما مدافعه نحو الآخر.

لكن بحرية ديغول، نجحت في تجاوز المواجهة، وتمكنت من إنزال قواتها على الجزيرتين، حيث استقبلهم السكان بترحيب حار، اعتبره ديغول بمثابة استفتاء شعبي شرعي.

أثار ذلك غضب روزفلت وتشرشل، فأبلغا ديغول، أنه ارتكب خطأ فادحاً، وطالباه بتحييد الجزر ووضعها تحت إدارة مستقلة عبر لجنة وطنية، مع إقامة حكومة محلية يشرف عليها موظفون من الحلفاء (من غير فرنسا).

غير أن ديغول، رفض جميع المقترحات، لأنه كان يرى أن الحروب لا تُحسم بأنصاف الحلول.

ولم يتقبل الحلفاء هذا الموقف، فأرسلوا له رسالة تفيد بأن الولايات المتحدة تفكر في إرسال مدمرتين وطراداً إلى سان بيير، متسائلين عن كيفية تصرفه.

فجاء رد ديغول، حازماً:

«إن أي دخول إلى مياهنا الإقليمية وعدم الامتثال إلى الإنذارات المعتادة، سوف يكون وبالاً كبيراً على تلك الفرقة البحرية، لأن جنودنا سوف يدمرونها».

لم تكن جزيرتا سان بيير وميكلون تملكان موارد ذات أهمية تُذكر، لكن الهدف – كما يرى ديغول – كان أبعد من ذلك، إذ يتعلق بالسيطرة على الجزر الغنية، مثل كاليدونيا الجديدة الغنية بالنيكل الذي يُستخدم في صناعة الأسلحة.

وكان ديغول، يرى أن أي تنازل فرنسي عن مستعمرة واحدة قد يفتح الباب للتنازل عن بقية المستعمرات.

في النهاية، غضّ الحلفاء الطرف عن الجزيرتين، بمبادرة من تشرشل، بعد أن لوّح ديغول، بالانسحاب من الحلف.

غير أن هذا التغاضي لم يكن احتراماً لسيادة فرنسا، بقدر ما كان نتيجة الخوف من التمدد الياباني في جنوب المحيط الهادئ.

ومع ذلك، لم يكن هذا التغاضي كاملاً، إذ استمرت محاولات الحلفاء طوال الحرب للسيطرة على أجزاء من المستعمرات الفرنسية وغيرها من مستعمرات الدول التي احتلتها ألمانيا، خصوصاً بريطانيا التي سعت للسيطرة على سوريا ولبنان لقربهما من قناة السويس، والتي كانت الهدف التالي لهتلر بعد احتلاله لليونان.

لقد صمد ديغول، أمام هذه الضغوط والحيل، وقد أَجبر وأُجبِر، ورغم ضعف موقفه، إلا أنه لم ييأس، وجعل سيادة فرنسا ومصالحها فوق كل اعتبار.

كان ذلك في بدايات الحرب، وتحديداً في عام 1941، واستمرت هذه التوترات طوال الحرب العالمية الثانية، وتجلّت لاحقاً بأشكال مختلفة في العلاقات الدولية.

كانت تلك الحرب صراعاً بين القوى الكبرى على عرش النفوذ والثروة، وهي الهيمنة التي آلت لاحقاً إلى الولايات المتحدة.

هذا ما أورده شارل ديغول، في مذكراته، ولكن من نظرة نقدية، قد يكون في كلام ديغول، مبالغة، وذلك بسبب تحيزه السياسي وموقفه من الحلفاء، خصوصاً من بريطانيا.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود أطماع استعمارية لدى القوى الكبرى.

قد يبرز السؤال: ما فائدة هذا الطرح وسط هذه الحرب؟

الولايات المتحدة ليست طرفاً في اتفاقية قانون البحار - رغم اعترافها بها، أما إيران فقد وقّعت الاتفاقية ولكن لم تصادق عليها.

وهذا يعني أن الطرفين المتحاربين لا تسري عليهما الاتفاقية.

X:ha_t965

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي