حروف نيرة

البيت سجن والأب جلّاد!

تصغير
تكبير

لا يوجد أب يتمنى أن يرى ابنه ضائعاً أو هارباً من البيت، لكن الواقع يُثبت أن بعض الأبناء لا يهربون من البيت بقدر ما يهربون من القسوة التي يعيشونها داخله!

في كثير من البيوت، يظن الأب أن الحزم يعني التسلط والقسوة، وأن التربية تعني السيطرة الكاملة بالصراخ والضرب والتوبيخ المستمر.

فيتحول الأب من قدوة إلى جلّاد، ومن مُربٍ إلى مصدر خوف ورفض. الأب المتسلط غالباً ما يُنظر إليه كإنسانٍ بلا عاطفة، فينمو الكره في قلوب الأبناء، ويُولد لديهم شعور بالقهر والرغبة في الهروب من بيئة لا تمنحهم الحب، بل تُشعرهم بالدونية والمهانة.

الهروب من البيت ليس دائماً علامة على فساد الولد، بل يكون أحيانا ألماً مكتوماً في قلب ولدٍ مظلوم، ويترتب عليه ضياع الطريق.

يروي أحد المرشدين التربويين قصة مراهقٍ هرب من منزل أسرته ثلاث مرات خلال عام واحد بسبب الأسلوب العنيف الذي يعامله به والده. كان يتلقى الضرب على أقل خطأ، ويُقابل بالكلمات الجارحة بدلاً من الحوار. وخلال إحدى الجلسات الإرشادية، قال المراهق: كنت أتمنى أن يعاملني كإنسان، لا كخصم أو قاضٍ. كنت أشعر أنني سجين لا ابن. هذه الكلمات ليست سوى مثال واحد من مئات تؤكد أن العنف لا يربي، بل يكسِر.

كثيرٌ من الأبناء الذين يُربَّون بالعنف يُصبحون عدوانيين خارج البيت، أو ضعفاء منكسري الشخصية، يحملون داخلهم آثاراً نفسية عميقة قد لا تزول بسهولة.

إن التربية لا تعني فرض السيطرة، بل تعني بناء علاقة تقوم على الاحترام، والحب، والاحتواء. ومن أهم ما يجب أن يتعلمه الآباء اليوم هو فنّ التأديب الإيجابي؛ أن يعرف الخطأ، ويسأل عن أسبابه، ويشرح للابن أثره، وإن لم يستجب عاقبه بأسلوب تربوي، مثل الحرمان من الأجهزة المتطورة، أو تقليل المصروف، أو تنظيم وقت الخروج، لا أن يُفرغ غضبه في ضربٍ أو صراخٍ يهدم ولا يبني.

اليوم، تتوفر برامج ودورات تساعد الآباء على تطوير مهاراتهم التربوية، وكلما ارتفع وعي الأب، ارتفعت جودة التربية، وقلّت أخطاء الأبناء؛ فلنعد النظر في علاقتنا مع أبنائنا قبل أن نخسرهم إلى الأبد.

aaalsenan@

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي