كلنا يعرف طريقةَ الشواء المشهورة باسم (الشاورما) ونعرف أيضاً كيف نتلذذُ بتناولها سواء بخبز الفرن أو خبز الصاج، ولكن ليس جميعنا يعرف أن الشاورما طريقة تركية في شواء اللحم، فقد اختار لنا آباؤنا وأجدادُنا خُلاصةَ وجبات الشواء من الشعوب الأخرى، بالتأكيد لم تكن هذه الكلمات مقدِّمةً لطبقِ اليوم من المطبخ العربي، ولكنها نتيجة بدهية للعزف التركي الأخير أمام قمة العرب في (سرت)! لستُ بصدد تقييم تصريحات تركيا على لسان رئيس وزرائها (أردوغان)، ففي تركيا مَنْ يرى أولوياتها وهم أدرى بشؤونهم ومصلحة بلادهم، ولكن كيف نرى نحن مصلحتنا وكيف ننظر للأمور؟ لقد وصل التخبط عند العرب إلى حد لم يعد مقبولاً، اجتمع العرب ولم يتفقوا كعادتهم على حل واحد لأيَّ مشكلة قائمة، بل مازال العرب ماضينَ في سياسة تخدير الجرح بدلاً من علاجه؛ ضخٌ جديد للمال في صندوق الأقصى، بينما تزداد الحفريات تحت الأقصى وتحت صندوقه! مشكلاتُنا العربية على مختلف أنواعها إنما هي بسبب انفتاحنا بلا وعي على الآخر وبسبب عدم الجلوس معاً للتفاهم بصدق وحرارة بعيداً عن التكلُّف في اللقاء، وتعود قمة (سرت) لتقرر رابطةً جديدة تحت مسمى (رابطة الجوار العربي) لتضم (تركيا وتشاد وإيران) وكأنَّ تضامن العرب يحتاج إلى تركيا وإيران وتشاد أيضاً... إن إقبال هذه الدول على العرب ليس بدافع الشوق والحب وصدق الولاء، إن إقبال تركيا علينا بخطاباتِ الحمية والنخوة واستذكار امبراطوريتا، وحضور إيران في الخليج بين تحريكٍ لمياهه واحتلالٍ للجُزُرِ الإماراتية (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى)، إنما هي تصرفات في دائرة إثبات الوجود وخلق التوازن من أنْ ينفرد الآخر بالمنطقة العربية ما دام العرب غائبين عن دورهم! لقد تعبت الشعوب وكَلًَّ المراقبين من رتابة الأداء السياسي للعرب، وباتت قممهم باهتة الشكل وممجوجة المضمون، ولعل حلولَ كثير من المشكلات جاهزة على طاولة الاجتماع تنتظر التنفيذ بينما تتنكبُ القمم العربية تلك الحلول وتتجاهل النظر في حقيقتها، صحيح أن مجرد اجتماع العرب والوصول إلى المصالحة بين زعمائهم أمر أكثر من ضرورة في وقت نلهثُ فيه جميعاً نحو استقرار في منطقتنا العربية، لكن يجب علينا أن نعي أنْ لا مشكلة أصلاً بين الشعوب العربية، أما المصالحة المرجوَّةُ إنما هي بين بعض زعماء العرب، وكلنا يأمل أن يتجاوز هؤلاء (البعضُ) مشكلاتهم من أجل (الكل) فمصلحة الأمة أوْلى وأهم من أنْ نقف في طريقها، لا نريد أن ننسى مواضع التقصير تجاه بعضنا، كيف نركضُ وراءَ رابطةٍ للجوار مع الآخرين ومازلنا نفرض (تأشيرات المرور والدخول بيننا)؟ ثم نعود للتحدث عن زيادة الدعم لصندوق القدس بينما بعض الدول المجاورة لإسرائيل ترفض السماح للفلسطينيين بالإقامة فيها أو حتى المرور من أراضيها ومنهم مَنْ يحمل وثائقها! أيُّ صندوق للأقصى وأيُّ رابطةِ جوار؟ نحن رائعون في خطاباتِنا ومبدعون في تصريحاتنا، أما في أرض الواقع فنحن دقيقون جداً في تنفيذ خلاف ما نصرح به! عندما نكون متسامحين ومخلصين لأبنائنا وبني جلدتنا مطبِّقين على الأقل الحد الأدنى من مراعاة حقوق الإنسان لن نشعر بضعف أبداً، حينها فقط ستدفع الشعوب دماءَها فداءً لأنظمتها، ولن يحتاج العرب في يوم لرابطةِ جوار مع الآخرين ولا لصناديقَ لنجمع فيها المال ثم نصرفه في غير وجهه، ولو تركنا المال سبائكَ في البنوك أو ذهباً أسودَ في باطن الأرض لكان الأمر أفضل فلعل أجيالاً قادمة تستخدمه لمصلحة الأمة، لننظرْ كيف أخذتْ تركيا وغيرُها في الماضي القريب ثروةً من القيم ومبادئَ الخير وأصول العلم من العرب ثم جاءتْنا اليوم بثوب المعلِّم! أما نحن فلم نأخذ من تركيا سوى مسلسلاتِها المدبلجة، وسيخ من الشاورما نقف له باحترامٍ كلما اشتهينا ذلك، وأرجيلة نجلس أمامها بأدبٍ كل مساء!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]