في عقيدة الهنادك القدماء يعذّبون أجسادهم بالتأمل في المغارات والكهوف ومكابدة الجوع والسهر للوصول الى الإشراق والصفاء الروحي والطهارة من الجوهر... وبعد الموت يوصون بإحراق الجسد لأنه مصدر الشهوات والأباطيل والشرور! أما حضارة الفراعنة فإنهم يحتفظون بالجسد لأنه مسكن الروح التي تعود إليه بعد طول الغياب! ويدفنونه بكامل زينته وحُليِّه!
ومن بين هؤلاء وهؤلاء أمم يتركون الجسد للأرض تأكله كأنهم يقولون إنه تراب وإلى التراب يعود... هذه باختصار فكرة المطالبة بإنشاء الأحزاب عندنا في الكويت، فهم إما مقدسون للفكرة ويرفعونها إلى أنها المراد المطلوب في الأرض! أو مستهزئون بها لأنهم يعلمون أنها مجرد مصالح وشهوات وزخرفة شعارات ليس إلّا!
وقد يقول قائل...
ولكن ماذا عن الدستور في مادته (43) تقول (حرية تكوين الجمعيات والنقابات على أسس وطنية وبوسائل سلمية وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون) وعلى رأي بعض نواب - العسكر القديم - (أن الدستور لم يُلزم بالأحزاب ولم يحظرها وإنما فوّض الأمر للمشرّع العادي دون أن يأمره في هذا الشأن أو ينهاه). وعلى قول القائل من (فمِكَ أُدِينُكَ) فالدستور أوكل بمهمة تقدير المصلحة في المضي قُدُماً مع أو ضد الأحزاب للمشرع وحده ولا حرج ولا تضييق على المشرع! إن هو ارتأى منع تكرار التجربة الفاشلة من العمل النيابي المستتر تحت عباءة الأحزاب والطوائف والملل والنحل! لجهة ضمان عدم الرجوع إلى المربع الأول وفوضى المعارضة التي كادت أن تودي بالكويت الى غياهب المجهول! ومحيط الأجندات وأمواجها العاتية تبعاً للأحداث العالمية وتداعياتها! وبقي فئام من الناس لا يدري ما موقفه من الأحزاب في الكويت فهل يفعل مثلما فعل الهنادك في حرق الأجساد! أو يفعل ما يفعل الفراعنة في تقديس الأجساد ورفعها الى مرتبة الألوهية!
وموضع السفاهة في كليهما الحرص على سمعة العُرف الكاذب في الديوانية والنادي والجماعة والتنظيم، وعدم الحرص على سمعة الإنصاف والمروءة وهيبة القانون والمصالح العليا للبلاد... وهذه دعوة صريحة لكل غيور ومصلح أن ندون تاريخ مجلس الأمة منذ التأسيس وإلى آخر مجلس مقبور ما الذي يستحق أن يدوّن في الكراسة الرمادية وما الذي يستحق وبشرف أن يدوّن بالسجل الوطني؟ وأيهما أكثر؟ والحكم للأعم الأغلب. وهنا فقط نعرف فعلاً هل اقتربنا من فحوى الدستور أو أبعدنا النجعة؟ ولا أظن يخالفني في هذا أحد... اللهم إلّا من أغلق عقله وتحجّر برأيه وأنكر ما يراه اليوم من إصلاحات وضعتنا على سكة التنمية الفعلية ورسّخت الهوية الوطنية وبعثرت أوراق المزورين والمفسدين في الأرض... ومازال الطريق في أوله!
وعوداً على بدء يأتي السؤال ماذا نفعل بركام الأحزاب عندنا بالكويت؟
هل نكتفي بالإحراق أو نكتفي بالتحنيط!
فقد قيل إن وضع السؤال هو نصف المشكلة أو هو المشكلة كلها في أكثر الأمور... بحيث لا يبقى أمامنا وجه للإشكال ولا للاستشكال لولا التعسّف والحذلقة في تقرير الآراء أو في خلق الآراء لخلق أسباب الخلاف من جديد! ومثال على ذلك ما قاله السياسي المخضرم وما يقوله الفقيه الماجن (فمَنْ قال بأن الزاني كافر فقد أصاب؟... وكل مَنْ سمىٰ الزاني مؤمناً فقد أصاب؟ ومَنْ قال هو فاسق وليس بمؤمن ولا كافر فقد أصاب!) لكي يُرضي بها جميع الأذواق!! ولكنه - بدلاً من أن يقول ذلك كاملاً حتى يعرف الناس وجه الحق فيها ليقول شيئاً يتفق على جميع السامعين العقلاء - يعمدُ الى العبارة المبتورة الغامضة المغلقة مرضاة لشهوة الجدل وتهويلاً على الناس بالحذلقة والدعوى - الديمقراطية - فيجني على الإسلام جناية أشدّ عليه من جناية العصاة أنفسهم!
وهذا شأن السياسي المخضرم من العسكر القديم تجده يهذي عن الأحزاب ولا تدري ما يقول هل يؤيد أو يعارض؟!
فلو أننا قلنا ذلك للناس (إن الإسلام مبناه على التيسير والتخفيف والشريعة يُسر كلها ومصالح كلها) لقلنا كلاماً مفهوماً لا يعسر عليهم أن يفهموه ويتفقوا عليه ولكن شهوة الجدل - قبّحها الله - هي التي تلوي أعناق النصوص عن الكلام والمفهوم الى الكلام الذي يطول الخلاف عليه في غير موجب للخلاف سوى بقاء هذا الرمز السياسي أو ذاك؟ فهل وصلت الحقيقة؟