تمثل مشاركة سفارة الصين في دولة الكويت مع نخبة من الأكاديميين الكويتيين الاحتفال بمرور سبعين عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول العربية والأفريقية من خلال مناسبة لاستذكار مسيرة طويلة من التعاون بدأت بالتضامن السياسي ودعم حركات التحرر الوطني، ثم تطورت إلى شراكات تنموية وإستراتيجية شملت الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة والدبلوماسية ونهج الوسطية.
وخلال هذه العقود نجحت الصين في ترسيخ حضورها كشريك موثوق للعديد من الدول العربية والأفريقية، مستندة إلى مبادئ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتحقيق المنفعة المشتركة.
وقد انعكس هذا النهج في اتساع شبكة الشراكات الصينية مع عدد من الدول العربية من بينها المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ودولة الكويت، وقطر، وسلطنة عُمان، ومصر، والجزائر، والمغرب، وتونس إلى جانب تعاون متنام مع دول أفريقية مثل جنوب أفريقيا، وإثيوبيا، وكينيا، ونيجيريا، وتنزانيا، وأنغولا، وزامبيا، ورواندا.
وأسهم هذا التعاون في تنفيذ مشروعات كبرى في مجالات الطاقة، والموانئ، والسكك الحديدية، والاتصالات، والمدن الذكية، بما عزّز مسيرة التنمية في العديد من هذه الدول.
ومع إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013، دخلت العلاقات الصينية - العربية والأفريقية مرحلة جديدة اتسمت بتوسيع الاستثمارات وربط الأسواق وتعزيز التعاون في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والابتكار. ولم يعد التعاون مقتصراً على التجارة بل امتد إلى نقل المعرفة وبناء القدرات والبحث العلمي من خلال بعثات دراسية محكمه بما يعكس تحولاً من الشراكة الاقتصادية إلى شراكة تنموية شاملة.
وتعد دولة الكويت نموذجاً بارزاً للعلاقات الخليجية مع الصين إذ كانت من أولى دول الخليج التي أقامت علاقات دبلوماسية مع بكين، وشهدت هذه العلاقات تطوراً مستمراً في مجالات الطاقة والاستثمار، والتمويل، والبنية التحتية، فضلاً عن تنامي التعاون في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي كما تتوافق هذه الشراكة مع أهداف رؤية الكويت 2035 التي تسعى إلى تنويع الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وتعزيز التحول الرقمي، وهو ما يفتح آفاقاً أوسع للتعاون بين البلدين في المرحلة المقبلة.
واليوم، ومع التحولات التي يشهدها النظام الدولي تبرز العلاقات الصينية - العربية والأفريقية بوصفها نموذجاً للتعاون بين دول الجنوب العالمي يقوم على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة.
وبعد سبعين عاماً من العلاقات الدبلوماسية تبدو هذه الشراكة أكثر نضجاً وقدرة على مواكبة تحديات المستقبل بما يعزّز الاستقرار والتنمية ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون في الاقتصاد الأخضر والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والتنمية المستدامة.
وفي ظل التصعيد المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، وما يفرضه من تحديات على أمن واستقرار منطقة الخليج العربي تواصل الصين تبني موقف يدعو إلى ضبط النفس ورفض توسيع دائرة الصراع، وتسوية الخلافات عبر الحوار والوسائل الدبلوماسية كما أكدت في أكثر من مناسبة رفضها أي أعمال عسكرية تهدد سيادة الدول أو تعرض أمن المنطقة ومنشآتها الحيوية للخطر، وهو موقف ينسجم مع حرصها على استقرار دول الخليج بما فيها دولة الكويت التي ترتبط معها بعلاقات صداقة وشراكة متنامية.
وفي هذا الإطار سعت بكين إلى توظيف ثقلها الدبلوماسي في دعم الحلول السلمية وكان من أبرز نجاحاتها رعاية استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وإيران عام 2023، في خطوة عكست قدرتها على تقريب وجهات النظر وتعزيز الحوار الإقليمي. واليوم ومع استمرار التوترات تواصل الصين الدعوة إلى تغليب الدبلوماسية واحترام القانون الدولي وتعزيز الأمن الجماعي انطلاقاً من قناعتها بأن استقرار الخليج ليس مصلحة إقليمية فحسب بل ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي.