ما بعد الهدنة... حين تبدأ الحرب الحقيقية

تصغير
تكبير

انتهت الهدنة... لكن لم تنتهِ الحرب. بل ربما الآن فقط بدأت بصورتها الأكثر صدقاً، بعد أن سقطت الأقنعة وتكشّفت حدود القوة وحدود الوهم معاً. ما جرى لم يكن استراحة محارب بقدر ما كان اختباراً قاسياً لقدرة الأطراف على الاحتمال، وعلى إعادة تعريف ما يعنيه «النصر» في زمن لم يعد فيه النصر مطلقاً.

في لحظات ما بعد الهدن، لا تعود الأسئلة التقليدية صالحة. لا أحد يسأل من أطلق أول رصاصة، بل من سيملك الرواية الأخيرة. لأن المعركة لم تعد تُخاض فقط في الميدان، بل في الوعي الجمعي، في نشرات الأخبار، وفي الطريقة التي يُعاد بها سرد ما حدث وكأنه حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. ما نشهده الآن هو انتقال من «حرب الأدوات الصلبة» (Hard Power) إلى «حرب الإدراك» (Perception Warfare). الصواريخ قد تتراجع خطوة، لكن السرديات تتقدم عشر خطوات. كل طرف يحاول أن يقنع جمهوره بأنه خرج منتصراً، حتى وإن كانت الوقائع تقول غير ذلك. وهنا تحديداً، تتحول السياسة إلى فن إدارة الانطباع، لا إدارة الحقيقة.

اللافت أن الجميع خرج من الهدنة وهو يدّعي الصمود... لكن لا أحد يجرؤ على الادعاء بالحسم. وهذا بحد ذاته اعتراف غير معلن بأن ميزان الردع لم يُكسر، بل أُعيد ضبطه. فلا غالب قادر على فرض إرادته كاملة، ولا مغلوب مستعد للاعتراف بهزيمته. نحن أمام حالة «توازن قلق» (Fragile Equilibrium)، حيث يكفي خطأ صغير لإعادة إشعال كل شيء.

الخطير في هذه المرحلة ليس التصعيد بحد ذاته، بل غياب القواعد الواضحة. حين تكون خطوط الاشتباك ضبابية، تصبح كل خطوة قابلة لسوء التفسير. وكل رسالة قد تُقرأ كتهديد، وكل صمت قد يُفهم كضعف. وهنا، لا تحتاج المنطقة إلى قرار حرب... بل إلى سوء تقدير واحد فقط.

في العمق، ما بعد الهدنة هو صراع على المستقبل أكثر منه صراع على الحاضر. من سيعيد تشكيل النظام الإقليمي؟ من سيفرض معادلات الأمن الجديدة؟ ومن سيُكتب له أن يكون لاعباً... لا مجرد ساحة؟

هذه ليست معركة أيام أو أسابيع، بل معركة زمن. معركة صبر إستراتيجي، تُقاس فيها قوة الدول بقدرتها على التحمل، لا بقدرتها على الضرب فقط. ومن يظن أن الهدنة كانت نهاية، لم يدرك أن الهدن في منطقتنا ليست إلا فواصل قصيرة بين فصول طويلة.

وفي النهاية، الحقيقة التي لا تُقال كثيراً:

إن أخطر الحروب... هي تلك التي تبدأ بعد أن يعتقد الجميع أنها انتهت.

X:jzabandr

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي