قيم ومبادئ

آن الأوان

تصغير
تكبير

على الرغم من أننا دولة غنية، ولنا نظرة مستقبلية إيجابية لاقتصاد مستقر، ولدينا قطاع خاص (مفتّح باللبن!)، ولدينا خبراء في الاقتصاد، ومُحللون اقتصاديون وسياسيون بارعون.. إلا أننا مازلنا ندور في حلقة مفرغة، وفزّاعة (العجز الإكتواري!)، ولم نحقق التنمية الشاملة التي وصلت إليها دول الجوار! مع أنها عندها عجز إكتواري أيضاً! وعلى الرغم من أننا كنا نملك مجلس أمة عمره ستون عاماً؛ حيث كان على لنجة وطنية واضحة ثم تحول إلى لنجة أخرى بفعل (عوامل التعرية) فأصبحت مهمته الصراخ واحتلال الكراسي!

وسأُجيب عن هذا السؤال من زاوية مختلفة فأقول: خلق الله الإنسان وأودع في روحه شيئين: الرغبة في النجاح والتقدم... وأودع فيه ما يُفسد هذه الخاصية أو يعطلها حتى تزيغ عن الجادة فتجدها ملتوية عن القصد تائهة في دروب الحياة ومسالكها الوعرة... هذه المعوقات مختزلة بإحدى ثلاث: العجز أو ضعف الهمة أو اضطراب الرأي بعد المشورة! أما العجز فقد استعاذ منه النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فقال: (وأعوذ بك من العجز والكسل)، والإنسان العاجز كالنبات يرتفع عن الأرض بساقه ولكنه غائر فيها بجذوره كلها! والعجز قد يكون نفسياً أو عضوياً، وهذه كلها آفات تمنع الإنسان عن العمل الصالح أو العلم النافع، كالرجل التاجر المريض مرضاً نفسياً فلا يرى إلا مصلحته فقط! إذا رأيته يتربص بالفقير وقوع الضائقة المالية به -لعدم سداده الديون- ليدخل عليه مدخل الشيطان من قلب الإنسان فيمتص الثمالة الباقية له من ماله ليُغلق في وجهه الأمل...

وأرثي لهذا التاجر الذي يعتقد أن المال هو مُنتهى الكمال الإنساني فيرغب عن الفضائل والكمالات؛ لأنه يظن أنه قد كُفى مؤونة السعي إليها! (فالغاية عنده تبرر الوسيلة)، وأرثي لصاحب المناقصات المليارية، وأبكي على عقله إن مشى الخُيلاء، وطاول بأنفه عنان السماء، وسلّم بإيماء الطرف، وإشارة الكف، ومشى في طريقه يخزِرُ عينيه خزراً؛ ليرى هل سجد الناس لحضرته أو صُعقوا من هيبته!

فإذا كانت هذه آفات بعض أصحاب الدثور.. فما الحل؟ أم كيف ستنجح مشاريعنا؟

والحل لا يكون إلا باللجوء إلى الله، والانكسار بين يديه، ودعائه أن يخلصنا من هذه الأدواء، ويهدينا إلى سواء الصراط، وهو الطريق المستقيم؛ الذي ينصلح به حال العباد والبلاد. قال تعالى: «فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»، والرزق لا نبتغيه إلا من الله وحده، فلا يُنال بمعصيته، وإنما يُنال بطاعته؛ لأنه وحده الميسر له، مع عبادته وحده، والشكر له، وهنا تَحُلُّ علينا البركة من الله؛ لأنه الكامل النافع الضار المنفرد بالتدبير...

وأما ضعف الهمة، فهو بمنزلة الحيوان الذي لا همّ له إلا أن يوجد كيفما وُجد وحيثما جاء موضعه من الإعراب! إذ هو يولد ويكدح ويتعب... ليكون في النهاية لحماً وعظماً وشحماً وصوفاً ووبراً وشعراً وأثاثاً ومتاعاً! ليس إلاّ! وهذه الأمور مشاهدة اليوم في حياتنا العامّة؛ حيث بسطت الدنيا علينا بساطها فأهلكتنا بالتنافس والأحقاد، فتشاحت النفوس! فأصبحنا «واحد يطق الثاني!» و«يعرجبله!»، وهنا زادت عندنا قضايا الديون والضبط والإحضار!

وأما اضطراب الرأي فمنزله بين المنزلتين، ترجع إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، وتقع من كلتيهما موقعها... والعجز وضعف الهمة واضطراب الرأي في لغة العقل والمنطق معانٍ ثلاثة لكلمة واحدة هي الخيبة. وأما أسرار النجاح بعد الله فهي الثلاثة التي تقابلها وهي أضدادها (القوة والعزيمة والثبات)، ومن رحمة الله وحكمته أنه أرصد في نواميس الكون الثابتة وقوانينه المستقرة وجعلها سِنَاداً يَمنَع وموئلاً يعصم وقوةً تصلح، وهو ناموس القدوة الذي يتمثل في الأمير والقائد والأب والمُشير وهو صاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، حفظه الله ورعاه...

وفي هذه القدوات تعليم الضعيف كيف يقوى وينهض، والعاجز كيف يعتمد، والمضطرب كيف يثبت، والمحزون كيف يأمل، والبائس كيف يفرح ويعود من جديد، فإذا أوجدنا في مجتمعنا المحافظ هذه القدوات بدلاً من الاعتماد على الأجنبي في كل شيء! فستغدو أولاً -وقبل كل شيء- مدارسنا تُخرج لنا من الكتب تلاميذ، ومن التلاميذ يتخرج رجال أقوياء أشّدّاء (كالجذع المرجّب)، من قوة النفس وصلابتها وصحة العزيمة ومضائها وتصميم الرأي ونفاذه مما يُعطى من قوة الصبر والثبات ومطاولة التعب إلى أقصىٰ حدود الطاقة الإنسانية، كما كان التعليم عندنا أيام الكتاتيب لإعادة إعمار الكويت داخلياً قبل أن يكون خارجياً بمعنى أوضح «سلِّم واستلمْ»، وهذا ما نحتاج إليه اليوم لننهض من جديد لسبب واحد وبسيط وهو أن تحديات التنمية كثيرة ومعقدة مما يتطلب لنجاح المشاريع إعداد جيل يتحلى ببعض هذه الصفات ليغالب الحجة بالحجة والدليل بالدليل، وكما يقال في المثل الشايع «الميّه تكدّب الغواص».

وهذه رسالتنا لمعالي وزير التربية.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي