غارة دامية على الجناح... الضاحية الجنوبية بؤرة نار وتمدُّد حزام الإخلاءات إلى قضاء صيدا
طلائع حصار بري على لبنان ويوم حربي في سماء بيروت
- عون: التفاوض ليس استسلاماً وأقول لمن جرّنا الى حرب عبثية... بماذا سيستفيد لبنان؟
على وقع تَوَعُّد الرئيس دونالد ترامب، إيران بـ «جحيمِ» محطات الطاقة والجسور ما لم تفتح مضيق هرمز بحلول، عاش لبنان يوماً حَرْبياً بامتياز هو الأعتى منذ إعلان «حزب الله» حرب إسناد طهران، خصوصاً في ضوء شموله العاصمة بيروت إلى جانب ضاحيتها الجنوبية، بالتوازي مع تَمَدُّد تفريغ الجنوب من سكانه إلى منطقة شمال الليطاني وتحديداً قضاء صيدا، واستمرار التوغّل البري جنوب النهر، والارتقاء بمرحلة استهداف البنى التحتية للدولة بحجة استخدامها من الحزب، من تدمير الجسور إلى وَضْعِ «علامة حمراء» على معبر المصنع الحدودي البري أي المَنفذ الرئيسي الذي يربط «بلاد الأرز» بسوريا والذي بات واقعياً مقفَلاً حتى إشعارٍ آخَر وتحت مرمى تهديد بالقصف معلَّق على اتصالات مكثّفة لتفادي ضرْبه.
وفي الوقت الذي كانت المواجهةُ مع إيران تشهد سباقاً قاسياً بين تهديداتِ ترامب، بضرباتٍ «لا مثيل لها» بدءاً من الثلاثاء وأدرج ضمن احتمالاتها «الاستيلاء على النفط»، وبين محاولاتٍ دبلوماسية لبلوغ اتفاقٍ في ربع الساعة الأخير أقلّه حول مضيق هرمز بما يتيح تمديدَ مرحلة التفاوض تحت النار أي عملياً إبقاء الحرب بنسختها التي لا تُستخدم فيها «الضربات المحرَّمة»، كانت تل أبيب «تحفر» بالنار في لبنان ما يشبه الرَسْمَ التشبيهي لِما ستعيشه البلاد سواء فُتحت أبوابُ الجحيم على الجمهورية الإسلامية، أو استَمَرّتْ المطاحنةُ معها ولكن دون اللجوء لخيارات «غير تقليدية».
«تسونامي الدم والدمار»
والأخطر أن سيناريو «تسونامي الدم والدمار» قد يَبقى قائماً حتى لو انتهتْ «المعركة الأمّ»، في ضوء إصرار إسرائيل على تأكيد أن جبهة لبنان مستقلّة ولن تُقفل قبل أقلّه إضعاف «حزب الله» عسكرياً وذلك بما يَسمح بسحْب كامل سلاحه باتفاقٍ وبعد ضغطٍ على حكومةِ بيروت يَضعها بين خياراتٍ أحلاها مُرّ، وهو الضغطُ الذي اعتُبر تهديدُ معبر «المصنع» من طلائعه التي يرفع دخولها حيّز التنفيذ من المخاطر على «دومينو» تساقُط «الضمانات» التي قيل إنها أٌعطيت لـ «بلاد الأرز» بتحييد بناه التحتية عن الضربات الإسرائيلية، وأهمّها مطار رفيق الحريري الدولي.
«بؤرة نار»
وفي موازاة تحويل إسرائيل الضاحية الجنوبية «بؤرة نار» عبر 8 غارات شنّتْها بين ظهر الأحد والرابعة عصراً، وهي الأكبر عدداً نهاراً منذ 2 مارس، وعلى وهج قبض الطيران الحربي على أنفاس سكان العاصمة خصوصاً عبر التحليق المرعب على علو مخفوض، لامستْ إحد الغارات المفاجئة التي نُفِّذتْ على منطقة الجناح - الخاصرة الجنوبية لبيروت - مستشفى رفيق الحريري الجامعي حيث وَقَعَتَ على بُعد نحو 100 متر منه، وتحديداً في حي المقداد مُسْتَهْدِفَةً مبنى من 3 طبقات، ما أدى في حصيلة أولية لسقوط ما لا يقلّ عن 4 ضحايا وجرح أكثر من 40 كحدّ أدنى، في ما بدا عمليةَ اغتيالٍ لم يكن عُرف مَن طاولتْ.
وفيما كان «ماراثون النار» في بيروت وضاحيتها الجنوبية يعمّق إشارات دخول «حرب لبنان الرابعة» ذروة جديدة، لم يقلّ دلالةً توسيع تل أبيب حزام الإخلاءات جنوباً ليشمل كفرحتى - قضاء صيدا الذي شكّل ملجأ لآلاف النازحين من جنوب الليطاني الراغبين في البقاء على تماس مع قراهم وعمق الجنوب، وإذ بإسرائيل تبدأ بموجة تهجير ثانٍ لهم عبر إنذارات المغادرة التي شملتْ هذه البلدة وباغتت أهلها وضيوفها ليل السبت، ولم تمنع سقوط 7 أفراد من عائلة واحدة بينهم طفلة عمرها أربع سنوات لم يتمكنوا من الفرار، ليلتحقوا بعدّاد الضحايا الذي ارتفع منذ 2 مارس إلى 1461 (بينهم 129 طفلاً و97 امرأة) و4430 جريحاً.
معبر المصنع
ولم تحجب الاستهدافات الإسرائيلية التي تزداد تَوَحُّشاً الدلالات الشديدة الخطورة لوضع علامة X بالأحمر على معبر المصنع الحدودي، الذي يشكّل شرياناً رئيسياً يربط لبنان واقتصاده بالعمق العربي والخليجي.
ومنذ أن أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً (ليل السبت) عاجلاً إلى «جميع الموجودين في منطقة معبر المصنع على الحدود السورية -اللبنانية، وإلى جميع المسافرين على طريق M30» بأنه نظراً «لاستخدام حزب الله للمعبر لأغراض عسكرية ولتهريب وسائل قتالية يعتزم جيش الدفاع شن غارات عليه في الوقت القريب»، تحوّلت المسافة الفاصلة بين مركز الأمن العام اللبناني ومعبر جديدة يابوس السوري مسرحاً لإرباكٍ كبير، وسط سباق برز بين تنفيذ التهديد بالقصف وبين إخلاء المؤسسات والدوائر الرسمية وتأمين دخول عشرات الشاحنات من الباحة الجمركية سواء الى سوريا أو إلى نقطة داخل الأراضي اللبنانية وخارج نطاق دائرة التهديد.
وفي حين بات «المصنع» منذ ليل السبت بمثابة الخارج عن الخدمة اضطرارياً وذلك بوهْج التهديد بضربه، أفيد عن اتصالات على أكثر من مستوى ومع عواصم قرارٍ عدة في محاولةٍ لتجميد استهداف الشريان الرئيسي لانتقال المواطنين والبضائع براً بين لبنان وسوريا، ومنها إلى العالم العربي، في ظل خشيةٍ من ملامح رغبة إسرائيلية في رفع وتيرة الضغط على الحكومة اللبنانية وبدء ضربها «من اليد التي تؤلمها»، أي بناها التحتية الحيوية، والإيحاء بمسارٍ يمهّد لحصار بري خانق على لبنان، في ضوء التقارير (موقع المدن) عن أن معبر القاع، الذي جرى تصنيفه منذ العام 2022 فئة أولى، ليس مجهزاً من الجانب اللبناني بعد لاستقبال البضائع، بينما معبراً الدبوسية والعريضة يعانيان التعطيل منذ أشهر.
وقد أوضح مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا مازن علوش «أن بإمكان المسافرين المضطرين لدخول لبنان، ولا سيما ممن لديهم حجوز سفر عبر مطار بيروت الدولي، العبور حالياً عبر منفذ جوسية الحدودي في ريف حمص، باعتباره خياراً متاحاً لضمان متابعة سفرهم».
وبحسب ما أوردت "وكالة سانا للأنباء» السورية الرسمية، فقد أكد علوش، أن «منفذ جديدة يابوس الحدودي لايزال مغلقاً من الجانب اللبناني، حتى إشعار آخر».
وأضاف: «نؤكد حرص الهيئة على متابعة المستجدات بشكل مستمرّ، وسيتم الإعلان عن أي تحديثات فور ورودها».
في المقابل، أعلن وزير الأشغال والنقل اللبناني فايز رسامني «أن معبر المصنع يخضع لرقابة وإشراف كامليْن من الأجهزة الأمنية اللبنانية المعنية، حيث تقوم تلك الأجهزة بمهامها بكل صرامة وانضباط وتخضع جميع الشاحنات للتفتيش والتدقيق والكشف عبر جهاز السكانر»، مشدداً على «أن ما يُثار حول إمكان حصول عمليات تهريب، لاسيما تهريب أسلحة عبر المعبر غير صحيح، ولا يستند إلى أي معطيات واقعية في ظل الإجراءات الأمنية المشددة والتنسيق القائم بين الجانبين اللبناني والسوري».
وأوضح أنه تابع اتصالاته المكثّفة مع الجهات المعنية لمواكبة المستجدات المرتبطة بحركة الشاحنات والإجراءات اللوجستية، في ظل التهديدات بقصف معبر المصنع «وما استدعاه ذلك من اتخاذ إجراءات احترازية سريعة لضمان سلامة حركة العبور وتوفير التسهيلات المطلوبة وتفريغ المنطقة الحدودية الممتدة بين معبر المصنع اللبناني ومعبر جديدة يابوس السوري من الشاحنات العالقة».
وإذ كشف أنه تم في هذا الإطار «إدخال الشاحنات المحمّلة التي كانت عالقة بين الحدودين إلى الباحات الجمركية، بالتوازي مع السماح للشاحنات اللبنانية الفارغة بالدخول مباشرة إلى الأراضي اللبنانية»، أوضح أن هذه الجهود «أسفرت عن إدخال جميع الشاحنات التي يتواجد سائقوها داخلها، والتي قارب عددها مئتي شاحنة، إلى الباحات المخصّصة، ما ساهم في تخفيف الضغط وإعادة تنظيم الحركة على المعبر. وفي المقابل، لاتزال بعض الشاحنات غير المرفقة بسائقين عالقة حتى الساعة، وهو ما يشكّل تحديا لوجستياً تتابع الجهات المعنية معالجته بشكل عاجل بالتنسيق مع الجانب السوري».
ولفت إلى أنه «على صعيد متصل، أبدت السلطات السورية تعاوناً مماثلاً، حيث جرى تواصل مباشر مع الجهات المعنية في الجانب السوري، التي وافقت على السماح للشاحنات العالقة والقريبة من حدودها بالعودة إلى الباحات الجمركية السورية»، مثنياً على الإجراءات التي اتُّخذت عبر المعنيين في لبنان و«سرعة الاستجابة والتنسيق الذي ساهم في احتواء الوضع والمحافظة على سلامة السائقين والبضائع والشاحنات اللبنانية والأجنبية».
التوغل جنوباً
في موازاة ذلك، استمر التوغل الإسرائيلي جنوباً على وقع الإعلان في تل أبيب عن أنه «منذ بداية المعركة ضد حزب الله هاجم سلاح الجو أكثر من 2000 هدف دعماً للقوات البرية في جنوب لبنان، وذلك بالمقاتلات والمروحيات القتالية والطائرات المسيرة».
وقالت الناطقة باسم الجيش الإسرائيلي ايلا واوية، على منصة «أكس»: «تبقى خلايا التحكم والسيطرة وطواقم سلاح الجو على تواصل مستمر ومباشر مع القوات المقاتلة وتدعم القتال في القطاعات المختلفة، إذ توجه القوات البرية على الأرض وتزيل التهديدات بعمليات سريعة من إغلاق الدائرة، وأحيانا ما يجري الأمر على مسافة أمتار من القوات. وفي إطار تعميق التعاون بين الأذرع، أجرى قائد سلاح الجو، اللواء تومر بار، تقييماً للوضع في القيادة الشمالية، إلى جانب قائد القيادة، اللواء رافي ميلو. وناقش القادة خطط المرحلة المقبلة، وتلقّى قادة سلاح الجو صورة محّدثة عن الوضع العملياتي للقوات في الميدان والاحتياجات العملياتية لمواصلة العملية».
في الأثناء، برز إعلان «حزب الله» وللمرة الأولى منذ بدء الحرب ومنذ 2006 أنه استهدف «بارجة عسكريّة إسرائيليّة على بعد 68 ميلاً بحرياً قبالة السواحل اللبنانية كانت تتحضّر لتنفيذ اعتداءاتها على الأراضي اللبنانيّة؛ وتمت عملية الإستهداف بصاروخ كروز بحريّ بعد رصد الهدف لساعات، وتأكّدت إصابته بشكل مباشر»، بينما نقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن مصدر أمني نفيه تعرّض أي بارجة حربية للاستهداف.
«حرب عبثية»
وفي حمأة توهّج «كرة النار» وتَدَحْرُجِها في اتجاهات جديدة، أطلّ الرئيس اللبناني العماد جوزف عون، بعد مشاركته في قداس الفصح الذي ترأسه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، مكرراً ثوابت الدولة في ما خص توريط البلاد في «حربٍ عبثية كانت خارجة عن إرادة الحكومة والشعب» ورسم خط أحمر حول أي فتنة داخلية.
وأكد عون «أننا نجري اتصالاتٍ مستمرة مع مختلف الدول للتخفيف من مآسي الحرب».
وقال: «لا يسعني هنا إلا أن أدين بشدة الاعتداءات الإسرائيلية التي تستهدف المدنيين والأبرياء، والتي للأسف تُعد انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي والقانون الدولي الانساني، ونطالب الدول الصديقة التي نحن على اتصال دائم معها، بالتدخل لوقف هذا الجنون الذي تمارسه إسرائيل».
وإذ أشار الى أنه «قد يكون هدف إسرائيل تحويل جنوب لبنان إلى غزة»، أكد «لكن كان من واجبنا ألا نسمح لها بجرّنا إلى ذلك. أما بالنسبة إلى التفاوض، فعندما دعوْنا إليه سمعْنا البعض يقول، ماذا سنستفيد من الدبلوماسية؟ وأنا أسأله بدوري: بماذا سيستفيد لبنان من الحرب التي جَرَرْتَه إليها؟ لقد تجاوز عدد الشهداء 1400، الجرحى 4000، وهناك آلاف المنازل المدمرة، وأكثر من مليون ومئتي ألف نازح يعيشون في ظروف صعبة. فهل كان هذا الخيار الأفضل؟ أيهما أفضل أن نذهب إلى التفاوض أو إلى الحرب؟ وأقول لهؤلاء، كلا، إن التفاوض ليس تنازلاً، والدبلوماسية ليست استسلاماً. ففي غزة، وبعد دمار هائل وسقوط نحو 80 ألف ضحية، انتهى الأمر بالتفاوض. فلماذا لا نتفاوض الآن لوقف هذه المآسي والنزف الذي يعانيه لبنان، بدل انتظار تفاقم الوضع؟ كما اسأل، كيف كان سيكون وضع لبنان الاقتصادي والاجتماعي لولا هذه الحرب؟ ولكن للأسف، هناك من أحب أن يجرّ لبنان إلى حروب لا علاقة له بها، وربْطه بمصير المنطقة. في أي حال نحن مستمرون في اتصالاتنا، ولن نتوقف حتى نتمكن من إنقاذ ما تبقى من بيوت غير مدمرة، إنقاذ من لم ينزح بعد، ووقف النزف والقتل والدمار والجراح».
وشدد عون على «أن السلم الأهلي خط أحمر والذي يحاول المساس به أو إثارة النعرات الطائفية والمذهبية يقدم خدمة لإسرائيل، والأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية جاهزة للتعامل معه»، مشيراً إلى أن لا خوف من الحرب الأهلية أو الفتنة الداخلية لأن الشعب اللبناني واعٍ وتعب من الحروب.
ورفض رئيس الجمهورية التهجم على الجيش اللبناني، مؤكداً أن «من يتعرض للجيش يكون بلا شرف»، كاشفاً من جهة ثانية على أن العلاقة مع رئيس البرلمان نبيه بري، ممتازة كما مع رئيس الحكومة نواف سلام، داعياً وسائل الإعلام إلى المشاركة في المحافظة على السلم الإهلي عبر اعتماد لغة التهدئة.
عون: شيباني بلا وظيفة
في أول تعليق له بعد قرار طرْد السفير الإيراني المعيّن لدى لبنان محمد رضا شيباني ورفْض طهران سحْبه، قال الرئيس جوزف عون، رداً على سؤال «هل وافقتم على طرْده»: «التقيتُ أكثر من مرة الرئيس الايراني (مسعود) بزشكيان كما بوزير الخارجية (عباس) عراقجي، وكان دائماً هناك تأكيد على السعي لإقامة علاقات جيدة بين لبنان وإيران تقوم على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين. وأنا أكتفي بهذا الجواب. ومعلوم أن السفير ليس سفيراً ولم يقدّم أوراق اعتماده بعد. فإذا هو موجود في السفارة ولكن من دون وظيفة».