الفاشية اليهودية والحرب الإقليمية... قراءة في ملامح الكارثة القادمة
الأمن القومي العربي أمام أخطر تطور إستراتيجي منذ عقود
- غالبية الشباب الإسرائيلي يُعرّفون أنفسهم كيمينيين متطرفين مع تبنٍّ واضح لثقافة العنف والتفوق الديني والعسكري
في مشهد سياسي وعسكري خطير، تكشف أحدث استطلاعات الرأي الإسرائيلية عن تحول جذري يُهدّد المنطقة برمتها: 56 في المئة من الشباب الإسرائيلي (18 - 22 عاماً) يُعرّفون أنفسهم كيمينيين متطرفين، مع تبنٍّ واضح لثقافة العنف والتفوق الديني والعسكري.
هذا التحول الديموغرافي للقتال من أجل «إسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات»، الذي وثّقه استطلاع لصحيفة «معاريف» أجراه الدكتور مناحيم لزار، يمثل أخطر تطور إستراتيجي يواجه الأمن القومي العربي والفلسطيني منذ عقود.
في ظل هذا المناخ الفاشي المتصاعد، تشن إسرائيل حرباً إقليمية متعددة الجبهة - من قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة إلى لبنان وإيران - مدفوعة بمنطق ديني قومي لا يعترف بحدود ولا يلتزم بالقانون الدولي مدعوماً من اليمين المسيحي الإنجيلي الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزيري حربه وخارجيته ماركو روبيو.
التقارير والتحليلات تشير الى الانعكاسات الكارثية لهذا التوجه على مستقبل الصراع، مع التركيز على المخاطر الوجودية التي تهدد الشعب الفلسطيني ودول الجوار العربية.
«وثيقة الخطر»
في استطلاع صادم نشره المحلل موشيه كوهن في صحيفة «معاريف»، كشف معهد لزار للبحوث أن الشباب الإسرائيلي الذي سيصوت للمرة الأولى في الانتخابات المقبلة، هو الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل:
المؤشر... النسبة الدلالة
- شباب (18 - 22) يعرّفون أنفسهم كيمينيين... 56 في المئة أعلى نسبة تطرف في تاريخ الاستطلاعات.
شباب يدعمون ائتلاف نتنياهو... 63 مقعداً وغالبية ساحقة تعكس تفكك المعسكر المعتدل.
شباب يؤيدون بنيامين نتنياهو لرئاسة الوزراء... 35 في المئة استمرار هيمنة اليمين المتطرف.
شباب يؤيدون نفتالي بينيت... 19 في المئة تيار ديني قومي متشدد.
ثقافة الدم والثأر
يكشف الاستطلاع أن الحرب على غزة بوحشيتها حوّلت الشباب الإسرائيلي إلى كتلة متجانسة من المتعصبين:
57 في المئة قالوا إن إيمانهم الديني تعزز - أي تحول إلى التدين المتطرف.
54 في المئة أكدوا تعزز صلتهم بالدين والتقاليد اليهودية - تغذية للفكر الاستيطاني التوسعي (إسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات).
68 في المئة أعربوا عن فخرهم بكونهم إسرائيليين - فخر متعصب لا يعترف بحقوق الآخر - لا حقوق لغير اليهود.
64 في المئة مستعدون للخدمة العسكرية من دون تردد - جيش مستعد لأي «حرب إبادة».
الخلاصة الخطيرة التي وصل إليها المحلل كوهن: «إسرائيل تنتقل بسرعة من دولة ذات تيارات متعددة إلى مجتمع فاشي متجانس، حيث يصبح التطرف الديني والقومي هو القاعدة وليس الاستثناء».
«نشيد الجلاد» - شهادة من الداخل
في افتتاحية غير مسبوقة، وصفت أسرة تحرير «هآرتس» الواقع الإسرائيلي الحالي تحت عنوان «نشيد الجلاد»، مذكّرة بأن ليمور هار ميلخ وإيتمار بن غفير – رموز الفاشية اليهودية - يهتفون «قم واذبح!» و«شعب إسرائيل حي!».
يكتب المحررون: «مخربون يهود لن يمحوا؛ سيواصلون الازدهار وسيكونون وزراء وقوادين، وبدماء كثيرة سيعيشون وسيرضعون أيضاً... مشنوقون كل إسرائيل المشاركون في الجريمة، الدم سيلاحقهم الهاوية الحالقة - سينبذون في العالم ولن يروا الخلاص أبداً».
هذه الشهادة من صحيفة عريقة تعكس حجم الانحدار الأخلاقي في المجتمع الإسرائيلي، حيث أصبح الجلاد يُطبل له في الميادين والبرلمان.
ثقافة الإبادة في الخطاب الرسمي
في 11 مارس 2026، نشرت صحيفة «إسرائيل اليوم» مقالاً للكاتب أمنون لورد تحت عنوان «لقد حان الوقت لاستعادة غزة»، دعا فيه إلى «إعادة احتلال القطاع بالكامل».
وقبل أيام، كتب جيف باراك في «هآرتس» أن «وحدات من الجيش تتمركز الآن في محور فيلادلفيا، في إطار سياسة تهدف إلى منع عودة حماس».
هذه الدعوات لم تعد مجرد آراء هامشية، بل أصبحت جزءاً من الخطاب السائد الذي يغذيه الشباب المتطرف الذي سيتولى قيادة إسرائيل في السنوات المقبل.
الجبهة اللبنانية - حرب إبادة تحت غطاء «النصر»
يكتب عاموس هرئيل، كاتب الشؤون العسكرية في «هآرتس»، أنه «بعد قتل الضابط والجنود الثلاثة من كتيبة الهندسة في لواء ناحل مساء الاثنين في جنوب لبنان، ارتفع عدد القتلى الإسرائيليين منذ بداية الحرب الجديدة مع إيران إلى 30».
لكن الأهم من العدد هو العودة إلى ذاكرة الاحتلال: «الاحتكاك مع مقاتلي حزب الله كان في قرية بيت ليف، التي كانت قبل جيل جزءاً من القطاع الغربي في المنطقة الأمنية في جنوب لبنان».
إسرائيل تعيد إحياء نمط الاحتلال طويل الأمد الذي عانى منه لبنان لعقدين، وهذا النمط مطبق على غزة والضفة في حال نجاح الفاشية اليهودية في ترسيخ هيمنتها.
يشير هرئيل إلى أن «الغالبية الساحقة من جنود الاحتياط الذين يبلغ عددهم 120 ألف جندي، الذين استُدعوا للخدمة، يستبدلون القوات النظامية في الضفة الغربية وفي قطاع غزة».
هذا يعني أن إسرائيل توصلت إلى حافة الاستنزاف الكامل - لكنها في المقابل تعتمد على جيل الشباب المتطرف المستعد للأبدة والمتعطش للدماء من دون حدود.
المغزى كما يقول هرئيل، ان «إسرائيل مصممة على تدمير إيران مهما كان الثمن، وستستخدم أي نموذج نظري يبرر إبادة شعب بأكمله. الفلسطينيون والعرب هم الهدف التالي».
والفاشية اليهودية التي تتباهى بالقوة العسكرية، قد تجد نفسها معزولة دولياً، لكن عزلها لن يمنعها من تدمير كل ما حولها قبل أن تصل إلى هذه العزلة.
جزيرة خرج - نقطة التحوّل
يكتب تسفي برئيل في «هآرتس»: «لقد أصبح الاستيلاء على جزيرة خرج هو أمل دونالد ترامب، في تحقيق النصر المطلق... جزيرة خرج، التي تبعد 25 كلم فقط عن الساحل الإيراني، هي مركز 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية. احتلالها يعني خنق إيران اقتصادياً».
لكن برئيل، يحذر من أن«السيطرة على المكان على المدى البعيد وما يترتب عليها من تعقيدات وآثار، هي المشكلة الكبيرة التي قد تشكل سهما مرتدا مدمرا على القوة المحتلة».
إيران قد تصمد، لكن الثمن الذي سيدفعه الفلسطينيون والعرب في غزة والضفة ولبنان هو الأعلى، لأن الفاشية الإسرائيلية ستفرغ كل غضبها على الأهداف الأسهل.
إسرائيل منهكة، جيشها ممزق بين الجبهات، احتياطها استُنزف. لكن ثمة عجز خارجي عن تحويل هذا الاستنزاف إلى مكسب إستراتيجي.
وفقاً لتقرير Middle East Eye، أقر الكنيست الإسرائيلي الأسبوع الماضي أكبر ميزانية في تاريخ البلاد بقيمة 271 مليار دولار، مع زيادات هائلة في الإنفاق العسكري. ووصف زعيم المعارضة يائير لابيد هذه الميزانية بأنها «أكبر سرقة في التاريخ».
الفاشية اليهودية تلتهم مستقبل إسرائيل الاقتصادي من أجل الحروب الإقليمية، وهذا يعني أن المنطقة أمامها مرحلة طويلة من العنف والعنف المضاد، لن تنتهي إلا بانهيار أحد الأطراف.
ماذا يخبئ المستقبل؟
إسرائيل تخوض حروباً على أربع جبهات: غزة، الضفة، لبنان، وإيران. وفي كل مرة تواجه فيها مقاومة عنيدة في جبهة، تفرغ غضبها على الفلسطينيين في غزة والضفة. هذا يعني أن الفلسطينيين سيدفعون الثمن الأكبر من الدماء والتهجير والتدمير.
ولا توجد مظلة موحّدة قادرة على مواجهة الفاشية الإسرائيلية أو حتى على استغلال استنزافها لتحقيق مكاسب إستراتيجية.
الولايات المتحدة تنسحب - والخطر يتضاعف
الرئيس دونالد ترامب يريد جر أوروبا إلى مواجهة إيران من دون التزام أميركي حقيقي. الانسحاب الأميركي الجزئي لن يوقف العدوان الإسرائيلي، بل سيجعله أكثر وحشية لأنه سيفقد أي رادع خارجي، وفق تحليلات إسرائيلية وأميركية.
في ظل فاشية يهودية متصاعدة، لا مكان للمساومة أو التفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي الذي يخطط ويعمل على قتل وتدمير في كل مكان حل فيه ويخطط وبصوت مرتفع لغزو والتوسع في دول عربية وإقليمية بدعم ومساندة من الإدارة الأميركية.