حين تضيق الخيارات... صراع كسر العظم وإعادة رسم الشرق الأوسط

تصغير
تكبير

ليس أخطر من حربٍ تُخاض بالسلاح... إلا تلك التي تُخاض بالعقيدة، بالوكلاء، وبفكرةٍ ترى في الفوضى نظاماً، وفي الاحتراق وسيلة لإعادة رسم الخرائط.

ما نشهده اليوم ليس مجرد اشتباك بين قوتين، بل فصلٌ متقدم من صراعٍ طويل بين مشروعين: مشروع الدولة، ومشروع الثورة الدائمة.

حين بدأت الولايات المتحدة مرحلة التصعيد باغتيال قاسم سليماني، لم يكن ذلك قراراً تكتيكياً فحسب، بل إعلاناً مبطناً بأن «زمن التمدد بلا كلفة» قد انتهى. ومنذ تلك اللحظة، أخذت المعادلة تتغير: لم تعد إيران تتحرك في الظل، بل أصبحت هدفاً مباشراً.

ثم توالت الضربات... لا كحوادث منفصلة، بل كسلسلة مترابطة: إنهاك، استنزاف، عزل، ثم تفريغ القيادة. وحين يُستهدف رأس الهرم – ونقصد هنا اغتيال علي خامنئي وعلي لاريجاني – فإن الرسالة لا تكون عسكرية فقط، بل وجودية: من سيُفاوض؟ ومن يملك القرار؟

هنا تتغير طبيعة السؤال...

هل نحن أمام حرب لإسقاط نظام؟

أم أمام عملية جراحية لإعادة ضبط توازن المنطقة؟

إيران لم تكن يوماً قوة تقليدية، بل كانت شبكة ممتدة: في العراق، في سوريا، في لبنان، في اليمن... وكل ذراعٍ لم يكن مجرد حليف، بل أداة ضغط، وأحياناً أداة فوضى.

من «حزب الله» إلى الحوثيين، ومن دعم نظام الهارب بشار الأسد، إلى محاولات زعزعة الاستقرار في البحرين... لم تكن هذه التحركات عشوائية، بل جزءاً من عقيدة تُعرف بـ«تصدير الثورة».

لكن ماذا يحدث حين تتحول هذه الأذرع من أوراق قوة... إلى أسباب استنزاف؟

هنا تبدأ مرحلة «كسر العظم».

الولايات المتحدة – التي طالما أدارت الصراع من الخلف – تبدو اليوم أقل صبراً، وأكثر ميلاً للحسم. أما الكيان الصهيوني، فهو لا يبحث عن نصرٍ سريع، بل عن حرب طويلة تُنهك الخصم وتُعيد تشكيل الجغرافيا السياسية، خصوصاً في جنوب لبنان، حيث تتحول الضربات إلى تمهيدٍ واقعي لتغيير قواعد الاشتباك... وربما الحدود.

وفي المقابل... إيران؟

تُطلق الصواريخ، تُسيّر المسيرات، تُصعّد في التوقيتات الرمزية – حتى في شهر رمضان، حيث اختلط صوت الأذان بصفارات الإنذار، وكأن المنطقة تُدفع دفعاً نحو مشهدٍ عبثي: حربٌ لا تُبقي قدسية لزمن، ولا حرمة لمناسبة.

لكن السؤال الأخطر ليس: لماذا تضرب إيران؟

بل: ماذا تريد أن تُثبت؟

هل هي رسالة ردع؟

أم صرخة عجز؟

أم محاولة لخلط الأوراق قبل أن تُسحب من يدها بالكامل؟

تصريحات محمود نبويان – عضو مجلس الأمن القومي الإيراني – تُشير بوضوح إلى أن التصعيد لم يكن ردة فعل، بل خياراً مُسبقاً. وهذا يُعيدنا إلى جوهر الأزمة:

إذا كان التصعيد مخططاً... فهل الهدف إشعال المنطقة؟

أم فرض معادلة: «إما أن أبقى لاعباً... أو يحترق الملعب»؟

في السياسة، هناك قاعدة قاسية:

القوى التي لا تعرف متى تتوقف... تُجبر على التوقف.

وإيران – وهي تواصل إطلاق الصواريخ في كل اتجاه – قد تكون دخلت هذه المرحلة دون أن تُدرك.

لأن الحروب الحديثة لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بقدرة الدولة على تحمّل ما بعدها: اقتصادياً، اجتماعياً، سياسياً.

وهنا تحديداً، تبدو الفجوة.

«التاريخ لا يُعيد نفسه، لكنه يُعاقب من لا يفهمه».

«حين تتحول القوة إلى عادة، تصبح الهزيمة مسألة وقت».

اليوم، الخليج ليس مجرد متفرج. لقد أصبح هدفاً، ومسرحاً، وأحياناً خط الدفاع الأول.

لكن الفارق أن دوله أكثر وعياً، أكثر تسليحاً، وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات.

فهل تدرك إيران ذلك؟

أم أنها لا تزال تقرأ المنطقة بعين الماضي؟

في النهاية...

السؤال الذي يفرض نفسه، لا كتحليل بل كإنذار:

هل تسعى إيران إلى إشعال المنطقة «عليّ وعلى أعدائي»؟

أم أنها بالفعل دخلت مرحلة «أنا... ومن بعدي الطوفان»؟

الفرق بين العبارتين... هو الفرق بين دولة تقاتل لتبقى، وأخرى تقاتل لأنها لم تعد تعرف كيف تتوقف.

إيران أضاعت بوصلتها بعدوانها الغاشم على دول الخليج الستة التي عرفها العالم أجمع على أنها مشروع للسلام وكبانية لجسور المودة والترابط والإخاء، وتاريخها الحافل في دعم القضايا الإنسانية واحترامها للمواثيق الدولية والتزامها بحق الجيرة والوفاء بعهودها.

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي