«حزب الله» من مسكاف عام رَبَط «بلاد الأرز» بصدمتي عراد وديمونا
«غزة الثانية» بدأت في جنوب لبنان عَزلاً وتدميراً
- اسرائيل أشعلت «حرب الجسور» بتدمير جسر القاسمية للمرة الأولى منذ 2006
- «حزب الله» يكرّس سلاحه ورقة تفاوض بيد إيران ويفرغ مبادرة عون من مضمونها
- مركز إيواء للنازحين قرب مرفأ بيروت استحضر مخاوف من «مضيق هرمز 2»
شكّلت حَمْلَةُ تفجيرِ الجسور التي تربط منطقتيْ جنوب الليطاني وشماله التي افتتَحها الطيرانُ الحربي الاسرائيلي، الأحد، بجسر القاسمية الساحلي وبدء تطبيق نموذج غزة على بلدات الحافة الأمامية عبر «محوها عن وجه الأرض»، إشارةَ الانطلاق الرسمية لمرحلةٍ جديدة في التصعيد المتدحرج ستطبع الأسبوعَ الرابع من «حرب لبنان الرابعة» وارتقتْ معها تل أبيب في استهدافاتها إلى ضرب البنى التحتية للدولة تحت مسمّى «يستخدمها حزب الله» و«لمنْعه من نقل تعزيزات ووسائل قتالية».
وفيما كانت الحربُ الأميركية - الاسرائيلية مع إيران تُلاعِب «الخطر النووي»، من نطنز وقبْله بوشهر إلى ديمونا، وعلى وقع «الساعة الرملية» التي قَلَبها الرئيس دونالد ترامب لطهران لفتْح مضيق هرمز (بحلول ليل الاثنين) والتي يشي انقضاءُ ساعاتها الـ 48 دون الاستجابة بإطلاقِ «حرب الطاقة الكهربائية» في عموم المنطقة، وَجَدَ لبنان نفسَه مجدداً في وضعيةِ اقتيادٍ إلى قلْب الجولات الأكثر التهاباً من تسونامي النار في الإقليم وإلى خطّ زلازله التي تزداد شِدّةً مُنْذِرةً بنهاياتٍ لم تَعُد تَحتمل أنصاف الحلول أو نتائج «معلَّقة».
وفي هذا الإطار لم يفاجئ «حزب الله» أوساطاً واسعة الاطلاع في بيروت بعمليةِ مسكاف عام التي شكّلتْ الركيزة الثالثة في مثلث التصعيد الإيراني المضادّ الذي جعل اسرائيل تعيش ليلة عصيبة (السبت – الأحد) مع الصواريخ التي سقطت في عراد وديمونا، وهي العملية التي تلقّفتْها تل أبيب سريعاً لضمّ لبنان إلى جبهاتِ القتال المتوسّع، كمّاً ونوعاً، وإشعالِ حربِ الجسور الرامية إلى عزل جنوب الليطاني عن سائر المناطق اللبنانية وقطْع الإمدادات عن «حزب الله» والمضيّ في التوغّل البري الرامي إلى إنشاء منطقةٍ عازلةٍ بخطٍّ أمامي «مسوّى بالأرض».
استهداف مسكاف عام
ولم تكن اسرائيل استفاقتْ بعد من صدمة عراد وديمونا حين باغتها «حزب الله» بإطلاق صواريخ على مسكاف عام أصابت إحداها سيارة احترقت ما أدى إلى مقتل شخص بداخلها، كما اندلعت حرائق في عدة مركبات داخل البلدة الواقعة عند الحدود اللبنانية.
واعتُبر هذا الاستهداف بمثابة «جرس إنذار» لتل أبيب بعدما كشفتْ وقائع هذا الهجوم أنه نُفذ من مجموعة تابعة لحزب الله «تجاوزت خطَّ الدفاع الأمامي للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان رغم تعزيز القوات»، كما أورد موقع «واللا»، فيما أفادت صحيفة «معاريف» أنه «صباح الأحد، وتحت غطاء الضباب والطقس الشتوي، أدخل الحزب إلى منطقة«رب ثلاثين»عدة خلايا إطلاق لقذائف الهاون والصواريخ المضادة للدبابات، كما حوّل مسكاف عام إلى هدف مركزي للإصابة».
وعمّقت هذه المعطيات من التحديات التي تواجهها اسرائيل وعملية «زئير الأسد» في ضوء ما عبّرتْ عنه الصواريخ الإيرانية على ديمونا وعراد والفشل في اعتراضها من وجود فجوة في منظومات الدفاع قد تتسبّب بإصاباتٍ مؤلمة، وألا تُبَدّل في موازين الحرب، ليأتي «ظهور» حزب الله من داخل «الشريط الأصفر» الذي اعتقدتْ تل أبيب أنها أرستْ قسماً منه على الحافة الحدودية - وتستمرّ في تعميقه لِما لا يقلّ عن 8 كيلومترات - ليُرْبِك حساباتها ولكن ليس لوقت طويل.
الرد الإسرائيلي لم يتأخر
إذ لم تتأخّر اسرائيل في الاندفاع نحو مزيدٍ من التوغل في الضرباتِ والتفلّت من الضوابط «الناعمة» التي وضعتْها أمامها واشنطن في ما خص «بنك الأهداف» داخل «بلاد الأرز» وتحديداً تحييد البنى التحتية للدولة اللبنانية والتي يبقى الأكثر تشدُّداً في وجوب الالتزام بها عدم ضرب مطار رفيق الحريري الدولي وطريقه والبنية «التشغيلية» ليوميات اللبنانيين من كهرباء وماء واتصالات شرط ألا تُصَنَّف من «عُدة شغل» حزب الله، وسط التعاطي استطراداً مع بدء «حرب الجسور» جنوب الليطاني على أنه انعكاسٌ لغطاءٍ من الولايات المتحدة التي تتقاطع المناخاتِ الواردة منها عند أنها تترك لتل ابيب حرية الحركة في «بلاد الأرز» تبعاً لمقتضيات الميدان.
وجاءت أول ملامح الاندفاعة الاسرائيلية مع إعلان وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن «جيشه» تلقى تعليمات بالتدمير الفوري لجميع الجسور فوق نهر الليطاني المستخدمة في أنشطة مسلحة، وقال:«تلقّيْنا تعليمات بتسريع هدم منازل اللبنانيين في قرى الخطوط الأمامية لإنهاء التهديدات التي تواجهنا».
ولم يكد أن يجفّ حبر«أمْرِ العمليات» الذي أصدره كاتس حتى أطل الناطق باسم الجيش الاسرائيلي للإعلام العربي افيخاي ادرعي بإنذار على صفحته على منصة"اكس، قال فيه: «متابعة لإنذاراتنا انتبِهوا ايها اللبنانيون: بناء على أنشطة حزب الله ولمنْع نقل تعزيزات ووسائل قتالية ينوي جيش الدفاع مهاجمة جسر القاسمية - جسر الاوتوستراد الساحلي»، مكرراً دعوة سكان جنوب الليطاني لإخلاء البلدات الواقعة في نطاقه وعدم العودة إليها.
وبعد نحو ساعتين، وعلى وقع إعلان الجيش الاسرائيلي «باشرنا للتو شن موجة غارات واسعة لاستهداف بنى تحتية لحزب الله الإرهابي جنوب لبنان»، قصف الطيران الحربي جسر القاسمية الرئيسي - بعدما كان استهدف قبل ايام الجسر الفرعي - الذي يقع شمال مدينة صور بحوالي 10 كيلومترات ويربط جنوب الليطاني بمحافظة صيدا وصولاً إلى بيروت، ووصفته صحيفة «النهار» اللبنانية بأنه شريان الجنوب.
وتَرافَقَ هذا الاستهداف، وهو الأول من نوعه لجسر القاسمية منذ حرب 2006، مع حزام نار من غارات لفت مناطق عدة في الجنوب ولا سيما النبطية، في موازاة استمرار المعركة الطاحنة في بلدة الخيام التي سيطر الجيشُ الاسرائيلي على قسمٍ منها ويَمضي في محاولة إحكام القبضة عليها هي التي تشكّل أهمية إستراتيجية في القطاع الشرقي في إطار إطباقِ العزلة على جنوب الليطاني من ناحية البقاع الغربي (تقع الخيام على تقاطع فاصل بين البقاع الغربي وجنوب الليطاني)، وفي ظلّ تصاعُد المواجهات في الناقورة (القطاع الغربي)، المدخل الجنوبي لمدينة صور.
ورأت الأوساط الواسعة الإطلاع أن هذه الأجواء المحتدمة تؤشر إلى أن لبنان اتّجه نحو المرحلة الأكثر خطورة في جبهته (أًعلن رسمياً أن عدد ضحاياها منذ 2 مارس بلغ 1029 و2786 جريحاً) التي لا مؤشرات إلى أن بالإمكان وقفها، ما دامت الحرب مع إيران مستمرة ولا حتى في حال خمدتْ، وهو ما جَعَل المسارَ الدبلوماسي الذي حاول رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، إطلاقه بمبادرة تشتمل على دعوة الى التفاوض المباشر مع اسرائيل محكوماً بلاءيْن لوقف القتال متقاطعتين:
- من تل أبيب التي لا تمانع عَقْدَ طاولةٍ في أي وقت - مع تحبيذ أن يكون ذلك بعد «إنجاز» ما أمكن من المهمة تجاه «حزب الله» - ولكن «تحت النار» وبشروط الميدانِ، وهو ما أكد عليه السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى داعياً بيروت ضِمْناً لأخْذه في الحسبان كواقعٍ لن يتغيّر.
- ومن «حزب الله» الذي لن يَفصلَ جبهة لبنان عن إيران التي، بإعلان وزير خارجيتها عباس عراقجي وحدة الجبهات في أي وقفٍ للنار على جبهة بلاده، كرّست عملياً هذه الوحدة بالحربِ أيضاً، وفي ظلّ اعتقادٍ بأن طهران بهذا الموقف أعلنتْ «الأمر لي في التفاوض» نيابةً عن لبنان وبما يقوّي أوراق المقايضات، وفق تصوُّرها، في حال أفلت النظام من السقوط، وهو ما فرّغ دعوة الدولة اللبنانية للمفاوضاتِ مِن أي تأثيرٍ يفترض أن يملكه مَن يجلس الى الطاولة وتالياً مِن أي قدرة على تنفيذ أي تعهداتٍ جديدة في ما خص سلاح الحزب الذي يُثْبِت وفق خصومه انه ليس في وارد تسليف ورقة ترسانته للدولة لأنها في يد طهران الأمس واليوم وغداً.
فتيل توتر سياسي وطائفي
وعلى وقع هذه المخاطر الجارفة، بدا أن فتيلَ توتر سياسي وطائفي سُحب ولم يُسحب، مع المعطيات التي تحدثت عن طيّ صفحة إقامةِ مركز إيواء للنازحين هرباً من الحربِ في الشطر الشرقي من العاصمة بيروت (منطقة الكرنتينا - المسلخ القريبة من المرفأ) كانت قررت فتْحَه هيئةُ ادارة الكوارث بموافقة رئاسة الحكومة لاستيعاب نحو 200 عائلة.
وسرعان ما ارتفعت أصوات نواب مسيحيين خصوصاً اعتراضاً على إنشاء هذا المركز باعتبار أنه في منطقة موصولة بمرفق استراتيجي هو مرفأ بيروت كما بمناطقِ ثقلٍ مسيحي مثل الأشرفية، وصولاً لإعلان نائب حزب الكتائب اللبنانية نديم الجميل «لن نقبل بتحوّل مرفأ بيروت مضيق هرمز 2»، في إشارة إلى مخاوف من تسلُّل عناصر من حزب الله عبر النازحين بما يجعل المرفأ واقعياً بحكم «الساقط عسكرياً» بيد الحزب حين يشاء.
ولم يقلّ دلالة إعلان نائب بيروت وضاح الصادق: «العاصمة تتحوّل مربّعات أمنيّة، مناطق بلا كاميرات، مسؤولون يتّخذون المدنيين دروعاً بشريّة، ومقاتلون ينتشرون في عدّة مناطق من دون سلاح ظاهر، فيما السلاح موجود بكثرة. عرضتُ هذا الموضوع على الرؤساء الثلاثة، وطالبتُ بخطّة أمنيّة فوريّة لبيروت، لحماية النازحين وأهل بيروت على حد سواء، وهذا هو الحدّ الأدنى المطلوب، لكن دون أيّ تجاوب حتى اليوم. بيروت على كفّ عفريت، وإذا لم تُسارع القوى والأجهزة الأمنيّة فوراً إلى الانتشار فيها، فإنّ الوقوع في المحظور سيكون مسألة وقت لا أكثر. وسيتحمّل مسؤوليّة ذلك كلّ من قصّر وتأخّر في معالجة هذا الواقع المتأزّم».
وكان رئيس الحكومة نواف سلام عقد اجتماعاً أمنياً واطّلع فيه من رؤساء وقادة الأجهزة الامنية ومدير العمليات في الجيش اللبناني على التطورات في الجنوب، وما يرافقها من نزوح وتحديات أمنية في مختلف المناطق اللبنانية.
وشدّد سلام على «ضرورة تكثيف الإجراءات الأمنية في مختلف المناطق، لا سيما في العاصمة بيروت، حفاظاً على أمن المواطنين وممتلكاتهم».