بعد استدراجه إسرائيل إلى «الحرب الرابعة» إسناداً لإيران وتحدّيه الدولة

لبنان يعلن الحظر الفوري لنشاط «حزب الله» العسكري وإلزامه تسليم سلاحه

حركة نزوح واسعة من جنوب لبنان (أ ف ب)
حركة نزوح واسعة من جنوب لبنان (أ ف ب)
تصغير
تكبير

- إسرائيل تبدأ بتصفية الهيكلية القيادية الجديدة في «حزب الله» واغتيال محمد رعد وقادة بارزين لم يكشف عنهم
- الضربات الإسرائيلية العنيفة جداً توقع عشرات الضحايا... وحركة نزوح واسعة

دَخَلَ لبنان منعطفاً هو الأخطر في العقود الأخيرة بعدما زَجَّه «حزب الله» في حرب إسنادٍ جديدة لإيران تَمَرَّدَ فيها على تأكيدِ الدولة امتلاكها قرار الحرب والسلم ورفْضها اقتياد البلاد إلى مواجهات عسكرية، وهو ما قابلتْه الحكومةُ بإعلانٍ تاريخي بالحظر الفوري لنشاطاتِ الحزب «الأمنية والعسكرية كافة باعتبارها خارجة عن القانون وإلزامه بتسليم سلاحِه إلى الدولة وحَصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية، وذلك بما يُكرّس حصرية السلاح بيد الدولة ويعزّز سيادتها الكاملة على امتداد اراضيها».

وجاءت «انتفاضةُ» لبنان الرسمي في وجه «حزب الله» على وقْع إطلاق اسرائيل عملية عسكرية متعدّدة البُعد، من اغتيالاتٍ للهرم القيادي فيه بقلب الضاحية الجنوبية لبيروت وغاراتٍ في الجنوب والبقاع مدجّجة باحتمال اجتياح بري لإقامة «خط دفاع» وتهديداتٍ بتمدُّد الحرب في مختلف الاتجاهات، وسط اعتبار مُسارعة الدولة إلى الطلب «من الأجهزة العسكرية والأمنية اتخاذ الإجراءات الفورية» لحظْر النشاطِ العسكري للحزب و«منع القيام بأي عملية عسكرية أو اطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة من الاراضي اللبنانية، وتوقيف المخالفين»، بمثابة محاولة لتخفيف سرعة «كرة النار» التي كانت تَشي بأنها في طورِ التدحرجِ والإطباقِ على «البلاد والعباد»، ومحاكاةِ المجتمع الدولي بلغةِ الشرعية «القابضة على الجمر» والساعية إلى تثبيت «التحكم والسيطرة» على القرارات المصيرية.

ونافَس دويُّ قرار الحكومة الذي أتى بعد جلسةٍ طارئة دعا اليها رئيس الحكومة نواف سلام وترأسها رئيس الجمهورية العماد جوزف عون وتخللتْها مشادات ومشاحنات بين وزيريْ حزب الله وغالبية الوزراء الآخَرين، «هدير» حرب لبنان الرابعة التي اشتعلت مع تَفَرُّد «حزب الله»، رغم أنف الدولة ومن فوق مسار سحب سلاحه الذي انطلق في سبتمبر الماضي، في وضع البلاد على خطّ الزلزال الأكبر في الإقليم عبر تبنّيه إطلاقَ صواريخ ومسيّراتٍ فجر الاثنين على موقع عسكري اسرائيلي في حيفا تحت عنوان «ثأراً للدم الزاكي» للسيد علي الحسيني الخامنئي «الذي سُفك ظلماً وغدراً على يد العدو الصهيوني المجرم، ودفاعاً عن لبنان وشعبه وفي إطار الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة»، متحدياً الدولة بأن «هذا هو رد دفاعي مشروع وعلى المسؤولين والمعنيين أن يضعوا حداً للعدوان الإسرائيلي الأميركي على لبنان».

ومع انفجار الجبهة اللبنانية التي عادتْ لِما قبل اتفاق وقف النار (27 نوفمبر 2024)، بدت «بلاد الأرز» واقعياً عالقاً في مثلث شديد الخطورة وتحديداً بين:

- المعلومات عن أن ما حصل فجر الإثنين، واستخدام «حزب الله» صواريخ قريبة المدى لا تُحاكي اغتيالَ شخصية بحجم السيد خامنئي كان متعمَّداً ومجرّد «إشارةِ انطلاق» الحرب التي اختار الحزب «المكان والزمان المناسبين لها» وأن الآتي الأعظم الوشيك ومن «العيار الثقيل» ضد اسرائيل محكوم باكتمال نزوح بيئته من الضاحية ومناطق الخطر جنوباً وبقاعاً.

- تلويح تل أبيب بتكثيف عملياتها لأيام بالحدّ الأدنى، وسط إعلان وزير دفاعها يسرائيل كاتس «اننا وجّهنا مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الجيش للعمل بقوة ضد حزب الله دون تحويل التركيز عن إيران وسنواصل سحق نظامها»، مؤكداً أن الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم «أصبح من الآن هدفا محددا للتصفية»، ومشدداً على «أننا لن نعود لقواعد إطلاق النار التي كانت سائدة قبل 7 اكتوبر 2023»، بالتوازي مع تسريبات عن مصادر أمنية اسرائيلية وغير اسرائيلية أن اجتياحاً برياً مطروح سواء للوصول إلى منشآت الصواريخ البالستية في البقاع أو لإقامة «خط دفاع» على طول الحدود يعزّز احتمالاته وجود الفرقة 91 عليها وتكثيف عمليات التجنيد، وهو ما سيعني طي صفحة الإطار الاقتصادي الذي كان يُعمل عليه كـ «منطقة عازلة» لمصلحة شريط أمني سيزيد من تعقيدات الوضع.

- قرار الحكومة التي طلبت في سياقه أيضاً «من قيادة الجيش المباشرة فوراً وبحزم، بتنفيذ الخطة التي عرضتْها في جلسة مجلس الوزراء تاريخ 16-2-2026 في شقّها المُتعلق بحصر السلاح شمال نهر الليطاني، وذلك باستعمال جميع الوسائل التي من شأنها ضمان تنفيذ الخطة»، وهو القرار الذي يعني عملياً رفْع الغطاء السياسي عن حزب الله وتكريس سحْب الشرعية منه ومساءلته قانونياً، وذلك فيما الحرب مشتعلة، الأمر الذي يُنْذر بتداعيات داخليةٍ متناسلة، خصوصاً وسط تعاطي الحزب وأوساطه مع خطوة حظر نشاطه العسكري فوراً على أنها بمثابة نُذُر «صدام داخلي» أو حرب أهلية، في مقابل اعتبار خصومه أن الحكومة لم يكن بإمكانها الخروج بما هو أقلّ حماية للبلد وناسه وأن إمساك العصا من الوسط لم يعد ممكناً في ضوء التجرؤ المتمادي على الدولة وقراراتها.

توقيف مطلقي الصواريخ

وكان وزير العدل عادل نصار اتصل قبل جلسة مجلس الوزراء بالمدعي العام التمييزي ومفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية الذي كلّف الأجهزة الأمنية بالعمل على توقيف مطلقي الصواريخ ومحرّضيهم بصورة فورية وسوقهم إلى النيابة العامة العسكرية.

ولم يحجب المسارُ «الزاجر» غير المسبوق الذي اعتمدتْه الحكومة تجاه «حزب الله» بالتوازي مع دعوتها «الدول الضامنة لإعلان وقف الاعمال العدائية للحصول على التزام واضح ونهائي من الجانب الإسرائيلي بوقف جميع الاعتداءات على كامل الأراضي اللبنانية، مع تأكيد التزام لبنان التام والنهائي بمندرجات الإعلان كاملةً» وتأكيد «الاستعداد الكامل لاستئناف المفاوضات في هذا الشأن بمُشاركة مدنية ورعاية دولية»، التحريات عن خلفياتِ المغامرة العسكرية لـ «حزب الله» من خلف تطميناتٍ كانت ركنتْ إليها الدولة نسبياً لجهة عدم اتجاهه للانخراط في الحرب على إيران وأقلّه أن الأمر ليس وشيكاً.

وتم التعاطي مع قرار الضغط على الزناد، الذي جاء بعد بيانيْن بسقفين متباينين لـ «حزب الله» الأحد عن اغتيال خامنئي، الأول «ناعم» من قاسم والثاني متشدد باسم الحزب مساء، على أنه في سياق قرارٍ ظهّر «الإمرة» الإيرانية على السلاح وتوقيت استخدامه فيما تسعى طهران تسعى لتحويل الحرب الأميركية - الاسرائيلية عليها إقليميةً وحتى لـ «تدويلها» من خلال اعتداءاتها الآثمة على دول مجلس التعاون الخليجي والأردن وصولاً لجعْل قبرص والقواعد البريطانية فيها تحت مرمى النار، وذلك بما تعتقد أنه سيضغط على واشنطن خصوصاً لكبح جماح المواجهة وحماية ما بقي من هيكلية للنظام.

ولم يفت أوساط عليمة التذكير في هذا الإطار بأنّ «حزب الله» سبق أن أعطى إشارات إلى أن مسألة دخول الحرب في المنطقة أم لا يرتبط باغتيال المرشد الأعلى في إيران، كما بتقييمٍ لدى الحزب بأن ثمة ضربة كبيرة تعدّها إسرائيل له سواء خلال أي مواجهة مع طهران أو بعدها، ما يضعه أمام حتميةِ الخروج من وضعيةِ تلقّي الضربات على دفعات، وإن كان هذا التقييم يعني عملياً أنه ليس مطروحاً لديه في كل الأحوال اليوم ولا غداً، احتمال تجيير ورقة السلاح للدولة وأن مقتضياتِ البُعد الاقليمي له تطغى على خياراته وحتى المصيرية منها.

غارات ونزوح

وعلى وهج هذه المقاربات، انفجر الميدان منذ الفجر، واستمر طوال النهار غاراتٍ مدمرة وعلى نطاق واسع في الضاحية والجنوب والبقاع، سابقت عملية نزوح هائل من هذه المناطق، وسط مسارعة الدولة إلى معاودة فتح مراكز الإيواء التي اعتُمدت في حرب خريف 2024، ومزاجِ شعبي عام ناقم وغاضب من توريط لبنان مجدداً في حرب مجنونة تتقاطع المعطيات عند أن تل ابيب لن تنهيها الى على طريقة «الضربة القاضية»، وصولاً لمؤشرات إلى أن حتى رئيس البرلمان نبيه بري شريك «حزب الله» في الثنائية الشيعية بدا في حال افتراق قد تتسع مع الحزب وخصوصاً ان وزراءه لم يعترضوا على قرار الحظر، هو الذي كان يعتقد أنه يقيم على طمأنة من الأخير بأنه لن يعرّض البيئة الشيعية ولا عموم البلاد لخطر السقوط في الحرب المميتة.

وتميّزت الضربات الاسرائيلية العنيفة جداً - التي أدت في الساعات الأولى لسقوط ما لا يقلّ عن 31 ضحية و150 جريحاً - وخصوصاً على الضاحية الجنوبية بنمطٍ مباغت وجديد من الاغتيالات لم يوفّر المستوى السياسي في الحزب، حيث ارتسمت معالم بداية تصفية للهيكلية القيادية الجديدة للحزب التي سبق لإعلام اسرائيلي أن نشر صورة لها أخيراً، بشقيها العسكري - الأمني والسياسي.

وأفيد بأن الموجة الأولى من الغارات على الضاحية أدت لاغتيال رئيس كتلة نواب «حزب الله» محمد رعد، الذي كان مرشحاً لنيابة الأمين العام، ورئيس مخابرات الحزب حسين مقلد، وسط معلومات عن سقوط قيادات بارزة واستهدافات لم يتأكد نجاحها أم لا وبينها للقيادي محمد حيدر.

وفيما أطلقت تل أبيب عملية ضرب متسلسلة لمقار «القرض الحسن» في مختلف المناطق، باغتت أكثر من 53 قرية وبلدة في الجنوب والبقاع بطلب إخلائها بالكامل من السكان وعدم العودة إليها، وسط إعلان الجيش الاسرائيلي أنه «خلال ساعات الليل أطلق حزب الله قذائف صاروخية نحو مدينة حيفا وشمال إسرائيل، وهو بادر بإطلاق النار واختار أن يدخل في هذه المعركة وسيدفع ثمناً باهظاً على ذلك».

وأكد أنه «ردًاً على الاعتداء قام جيش الدفاع بشنّ غارات واسعة ضد أهداف تابعة لحزب الله في أنحاء لبنان بما في ذلك في بيروت. واستهدفنا عشرات المقرّات ومواقع الإطلاق وقادة كبار في صفوفه. كما أصدرنا انذارات إخلاء لأكثر من 50 قرية في لبنان توجد فيها بنى تحتية إرهابية يستخدمها الحزب وسنستهدفها».

نص قرار حظر النشاط العسكري لـ «حزب الله»

جاء في نص الإعلان «التاريخي» الذي تلاه رئيس الحكومة نواف سلام بعد جلسة مجلس الوزراء الطارئة في قصر بعبدا:

«ان مجلس الوزراء،

تطبيقاً للدستور ووثيقة الوفاق الوطني والبيان الوزاري للحكومة،

وبعد رفضه وإدانته عملية اطلاق الصواريخ التي تبناها حزب الله بالأمس بما يتناقض مع حصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية وحدها دون سواها، كما يتناقض مع رفض زج لبنان في الحرب الإقليمية الدائرة، ويشكّل خروجاً على مقررات مجلس الوزراء وتخطياً لإرادة أكثرية اللبنانيين بما يُقوّض مصداقية الدولة اللبنانية، وبعد المُداولة،

قرر المجلس:

أولاً: تُعلن الدولة اللبنانية رفضها المُطلق بما لا يَقبل أي لبس أو تأويل لأي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار مؤسساتها الشرعية، وتؤكد أن قرار الحرب والسلم هو حصراً بيدها، مما يستدعي الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية كافة باعتبارها خارجة عن القانون والزامه بتسليم سلاحِه إلى الدولة اللبنانية وحَصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية، وذلك بما يُكرّس حصرية السلاح بيد الدولة ويعزّز سيادتها الكاملة على امتداد اراضيها.

وهي تَطلب من الأجهزة العسكرية والأمنية كافة اتخاذ الإجراءات الفورية تنفيذاً لما ورد أعلاه ولمنع القيام بأي عملية عسكرية أو اطلاق صواريخ أو طائرات مسيرة من الاراضي اللبنانية، وتوقيف المخالفين وفقاً لما تفرضه القوانين والأنظمة المَرعية الإجراء.

ثانياً: الطلب من قيادة الجيش المباشرة فوراً وبحزم، بتنفيذ الخطة التي عرضتها في جلسة مجلس الوزراء تاريخ 16-2-2026 في شقّها المُتعلق بحصر السلاح شمال نهر الليطاني، وذلك باستعمال جميع الوسائل التي من شأنها ضمان تنفيذ الخطة.

ثالثاً: انطلاقاً من الحرص الثابت على عدم انجرار لبنان إلى أي صراع في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة، يُطالب المجلس الدول الضامنة لإعلان وقف الاعمال العدائية بالحصول على التزام واضح ونهائي من الجانب الإسرائيلي بوقف جميع الاعتداءات على كامل الأراضي اللبنانية، مع التأكيد على التزام لبنان التام والنهائي بمندرجات الإعلان كاملةً وبما يَصون السِلم والاستقرار. ويُعلن المجلس استعداده الكامل استئناف المفاوضات في هذا الشأن بمُشاركة مدنية ورعاية دولية.

رابعاً: الطلب من وزارة الخارجية والمغتربين تكثيف الاتصالات الدبلوماسية مع المجتمع الدولي والدول الشقيقة والصديقة لوقف العدوان الإسرائيلي وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة».

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي