مناشدة رسمية للحزب لعدم توريط البلاد... و«خلايا أزمة» تحوُّطاً للأسوأ

لبنان يرتعد على وقع «زئير الأسد»... مَن يسبق مَن إسرائيل أم «حزب الله»؟

 دخان غارة إسرائيلية في منطقة القطراني جنوب لبنان (أ ف ب)
دخان غارة إسرائيلية في منطقة القطراني جنوب لبنان (أ ف ب)
تصغير
تكبير

- سلام: اتصلتُ بعدد من الإخوان العرب لنعبّر عن تضامننا ولا يمكنني إلغاء احتمال التعرّض لسفارات أجنبية في لبنان
- تهافت على البنزين والمواد الغذائية والمعنيون «لا داعي للهلع»
- خوف من استهداف قاعدة حامات الجوية والسفارة الأميركية

ارتعد لبنان على وقع «زئير الأسد» وسط سباقٍ ارتسم بين «خلايا طوارئ» سياسية، وأمنية، ومعيشية، وخدماتية شكّلتْها الدولةُ، وبين مخاوف كبرى من أن يكون إلحاقُ «بلاد الأرز» بالحربِ الطاحنة في المنطقة هو مسألة «متى» وليس «هل»، سواء بقرارٍ من «حزب الله» بإسناد إيران، أو بضربةٍ استباقية من اسرائيل على قاعدة «توحيد الجبهات» في «المعركة الأخيرة» التي لا يمكن تَصَوُّر أن يبقى بعدها كما... قبْلها.

ولبنان، الذي فَرَكَ عينيْه على غاراتٍ اسرائيليةٍ عنيفة جداً على أهداف لـ «حزب الله» في الجنوب والبقاع الغربي اعتُبرت بمثابة إشارةٍ سبّاقة للهجوم على إيران وراوحتْ قراءتُها بين أنها إنذار بالنار للحزب من مغبة الانخراط في المواجهة وبين أنها تَحييدٌ لقدرات كانت مجهَّزة للتفعيل مع الطلقة الأولى على طهران، بدا وكأنه يَحْبس أنفاسَه وهو يرصد تَشظّي الحربِ الأميركية - الاسرائيلية في اتجاه عموم المنطقة ودول الخليج العربي خصوصاً التي تَعَرَّضَتْ غالبيتها لعدوانٍ ايراني سافر.

وفيما كانت أنظارُ العالم على تَكَشُّفِ هوية الشخصيات القيادية البارزة السياسية والعسكرية الإيرانية التي تم استهدافُها في الموجة الأولى من الضربات ومَن نجا بينها ومَن سقط، في ظل مؤشراتٍ إلى أن حرب فبراير 2026 تختلف جذرياً في بنك أهدافها السياسي والعسكري عن «مطرقة منتصف الليل» (حرب الـ 12 يوماً في يونيو الماضي)، فإن بيروت رَبَطَتْ الأحزمةَ وسط اعتبارِ أنه كلما انقشع غبارُ الحربِ على خلفياتٍ تضع طهران في موقع خوض معركة بقاء كلما ارتفعتْ المَخاطر من اقتياد لبنان إلى خط الزلزال الأقوى الذي يَضرب المنطقةَ منذ عقود ويَشي بتداعياتٍ جيو - سياسية تُكْمِل معاودة تشكيل النظام الاقليمي.

عملية تَحَوُّطٍ مزدوج

وعلى وهج معطياتٍ أنْذَرَتْ بأن الحربِ في المنطقة طويلة وقد تتدحرج في اتجاهات يصعب تقديرها بدقة، أطلق لبنان الرسمي عملية تَحَوُّطٍ مزدوج بالحدود المتاحة له وضمن نطاق «التحكم والسيطرة» - الضيق جداً - على قرار الحرب والسلم المتروك له من «حزب الله»:

- لاحتمال انخراط الحزب في الحرب في ضوء مجرياتها ومقتضيات رَفْدِ إيران بالدعم في حال انزلقتْ المعركة إلى مرحلة «وبعدي الطوفان»، وما سيستدعيه ذلك من هجومٍ اسرائيلي يُخشى أنه سيكون هذه المرة أكثر شراسة حتى من حرب الـ 65 يوماً خريف 2024.

- ولإمكان أن تستغلّ تل ابيب اللحظة التي قد لا تتكرّر لشنّ ضربة استباقية على حزب الله، من ضمن استراتيجية شلّ أذرع إيران ومنعها من إسنادها مع التغوّل في الحرب، مع خشية من توغل بري في اتجاه البقاع واستفادة اسرائيل في ذلك من التحولات التي نتجت عن سقوط نظام الأسد في سورية ومن وجودها في القنيطرة بما يسهّل، وفق اعتقادها، التقدم نحو شرق لبنان وتحديداً المنشآت المحمية التي تظنّ ان الحزب يخزّن فيها الصواريخ البالستية.

استعداد إسرائيلي

وفي الوقت الذي كان إطلاقُ الفصائل الموالية لإيران في العراق كما الحوثيين في اليمن العدَّ العكسي لاستهداف مصالح أميركية ودخول الحرب يرفع الخشيةَ من أن يُكمل «حزب الله» إشعالَ حلقةِ النارِ المتعددة الجبهة، ارتفع منسوب القلق الكبير مع معطييْن:

- الأول إعلان الجيش الاسرائيلي «اننا نستعد لاحتمال انضمام حزب الله الى القتال»، وقول قائد المنطقة الشمالية «سنوجه ضربة قاسية ومؤثرة لحزب الله إن انضم للقتال».

- والثاني كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال إعلان انطلاق الحرب وتلاوة حيثياتها و«مضبطة الاتهام» لإيران ونظامها عن أنه «في عام 1983 نفذ وكلاؤه تفجير ثكنة المارينز في بيروت الذي أودى بحياة 241 عسكرياً أميركياً (...)»، وتأكيده «من لبنان إلى اليمن، ومن سوريا إلى العراق، سلّح النظام ودرّب ومول ميليشيات إرهابية أغرقت الأرض بالدماء»، متوعداً بـ «ضمان ألا تتمكن ميليشياتهم من زعزعة استقرار المنطقة أو العالم أو مهاجمة قواتنا».

وإذ عَكَسَ هذان المعطيان أن أي ضربة لحزب الله تَحظى بدعم أميركي لا غبار عليه، ولا سيما في ظلّ الاقتناع بأن الضغط على زناد الحرب على إيران مدجَّج بأبعاد تطلّ على أهداف «نهائية» تُرسي مَعالم الشرق الجديد وفق ما يراه ترامب، سعى لبنان لمواكبةِ ما يُخشى أن يتحوّل بقعة نار تتمدّد في كل الاتجاهات على مستويين:

الأول سياسيّ دق معه «جرس إنذار» برسْم «حزب الله» وسعى من خلاله إلى النأي بالدولة عن أي خيار يَحرق ما بقي من جسورٍ لإفلات لبنان من «محرقةٍ كبيرة» والحفاظ على مقومات نهوضه من تحت ركام حرب 2024 وكبوته المالية المتمادية.

عون

وفي الإطار، أجرى رئيس الجمهورية العماد جوزف عون صباح السبت سلسلة اتصالات شملت رئيس الوزراء نواف سلام، زير الأشغال والنقل فايز رسامني، السفير الأميركي ميشال عيسى وقائد الجيش العماد رودولف هيكل. كما كان تشاور الجمعة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، في إطار متابعة التطورات المتسارعة في المنطقة وتداعياتها المحتملة.

وشدد عون خلال هذه الاتصالات على «ضرورة التحلي بأعلى درجات الجهوزية والتنسيق بين مختلف السلطات الدستورية والأجهزة المعنية لحماية لبنان»، مؤكداً «أن المرحلة الدقيقة الراهنة تقتضي من الجميع التزاماً كاملاً بالمسؤولية الوطنية وتغليب المصلحة العليا للبنان والشعب اللبناني دون سواهما، على أي اعتبار آخر».

كما أكد «أن تجنيب لبنان كوارث وأهوال الصراعات الخارجية، وصون سيادته وأمنه واستقراره، هما أولوية مطلقة»، داعياً إلى «توحيد الجهود وتعزيز التضامن الداخلي لمواجهة التحديات المحيقة، ومنع أي تداعيات تطول أرض لبنان وشعبه»، ومشدداً على «أن الدولة بمؤسساتها كافة ستبقى الضامن الأول للأمن والاستقرار وحماية المواطنين كافة والأرض كاملة».

سلام

وفي السياق نفسه، كتب رئيس الحكومة نواف سلام عبر منصّة «اكس»: «أمام ما تشهده المنطقة من تطورات خطيرة، أعود وأناشد جميع اللبنانيين ان يتحلوا بالحكمة والوطنية واضعين مصلحة لبنان واللبنانيين فوق أي حساب. وأكرر أننا لن نقبل ان يُدخل احد البلاد في مغامرات تهدد أمنها ووحدتها».

وبعد ترؤسه اجتماعاً موسعاً طارئاً لمتابعة جهوزية المؤسسات وضمان انتظام الخدمات والمرافق العامة، وضرورة التشدد منعاً لأي استغلال أو احتكار، كشف سلام أننا «نقوم بكل الاتصالات الدبلوماسية المطلوبة لتجنيب لبنان تداعيات الحرب الدائرة في المنطقة»، مكرراً «أناشد جميع اللبانيين التحلي بالحكمة الوطنيّة لوضع مصلحة لبنان فوق أيّ ظرف آخَر في ظلّ الظروف التي تمرّ بها المنطقة».

وكشف أنه اتصل «بعدد من الإخوان العرب لنعبّر عن تضامننا»، معلناً رداً على سؤال «لا يمكنني إلغاء احتمال التعرّض لسفارات أجنبية في لبنان لكنّنا اتخذنا الإجراءات الأمنيّة المطلوبة».

قاعدة حامات

وعمّق كلام رئيس الحكومة الخشيةَ ليس فقط من استهداف مصالح أميركية مباشرة في لبنان، بل ايضاً من ضرب القاعدة الجوية التابعة للجيش اللبناني في منطقة حامات (شمال البلاد) والتي تهبط فيها طائرات نقلٍ عسكرية أميركية تحمل المساعدات له.

وكانت هذه القاعدة وُضعت قبل نحو اسبوعين ضمن أشرطة مصوّرة بعنوان «سلسلة القواعد الأميركية» المرشّحة للاستهداف في أي مواجهة وبثّتها قناة «العالم» الإيرانية التي وصفت «حامات» بأنها «القاعدة رقم 9» ومصنفة إياها بأنها «تحت الرصد»، وأنه «خلال أشهر قليلة هبطت فيها عشرات طائرات النقل العسكرية، وطائرات الشحن العسكرية القادرة على نقل 77 طناً من المعدات، ما يشير إلى عملية دعم لوجستي واسعة النطاق».

وسبق لـ «حزب الله» بلسان القيادي السياسي فيه محمود قماطي، أن قال «نحن نعلم اليوم أن الجانب الأميركي يستخدم لبنان قاعدة عسكرية وأصبح لبنان متورّطاً تلقائياً»، لافتاً الى «الطائرات الأميركية التي تأتي يومياً الى قاعدة حامات» والى أن اميركا«ورّطت لبنان، عندما قررت أن تستخدمه قاعدة عسكرية في المنطقة الحامية والمشتعلة».

وبعيد اندلاع الحرب، أعلنت بلدية حامات في بيان أنها تلقت بلاغاً من قيادة القاعدة الجوية في المنطقة يفيد بإقفال الطريق المؤدية إلى حَيّ المطار، والذي يؤدي إلى مطار حامات بشكل نهائي.

وحدة إدارة الكوارث

أما المستوى الثاني من المواكبة التي عزّزها لبنان فتمحور حول ضمان الجهوزية لكل الاحتمالات في حال تطورت الحرب وأُلحق لبنان بها، وهو ما عبّر عنه الاجتماع الطارىء في السرايا الذي حضره وزراء الداخلية والاقتصاد والشؤون الاجتماعية والصحة والأشغال والنقل والأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع والأمين العام للهيئة العليا للإغاثة ورئيس وحدة إدارة الكوارث.

وقد أكد سلام في هذا الإطار «ان لا داعي للهلع إطلاقاً فالمواد الغذائية والأدوية والمحروقات متوافرة في الأسواق لمدة لا تقل عن شهرين»، وان «مطار بيروت يعمل بشكل طبيعي وشركة طيران الشرق الأوسط مستمرة في تسيير رحلاتها إلى كل الوجهات التي لم تُغلق أجوائها».

وفيما كان أُعلن أن جهاز أمن مطار رفيق الحريري الدولي - الذي استمر بالعمل رغم إلغاء عدد كبير من الرحلات منه وإليه - فعّل غرفة إدارة الأزمات وانه تم تعيين ضابط لمراقبة حركة هبوط وإقلاع الطائرات وحركة الصواريخ والمسيّرات، شهدت غالبية المناطق اللبنانية تَراجُعاً في الحركة عَكَسَ «الأعصاب المشدودة» وترقُّباً لأسوأ ربما آتٍ، في مقابل تهافت كبير على تعبئة البنزين والغاز وإقبالٍ على تخزين المواد الغذائية والأدوية خشية امتداد التصعيد إلى «بلاد الأرز».

وحرص مستوردو المحروقات والمواد الغذائية على طمأنة المواطنين إلى توافر مخزون يكفي لما بين شهر وشهرين، وأن لا انقطاع في الإمدادات، وسط دعوةٍ وجهها رئيس الحكومة الى المعنيين للإسراع في إفراغ البضائع وخصوصاً عبر المرافئ لضمان استمرار وانسيابية عمل سلاسل الإمداد وتجدُّد المخزون.

لبنان يدين الاعتداءات الإيرانية على الإخوة العرب

دانت الخارجية اللبنانية بشدة «الاعتداءات الايرانية التي استهدفت سيادة وأمن كل من المملكة العربيّة السعوديّة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، ودولة قطر، ودولة الكويت، والمملكة الأردنية الهاشمية».

وأعرب لبنان عن تضامنه الكامل مع هذه الدول الشقيقة، مؤكداً رفضه وشجبه لأي انتهاك لسيادتها أو المساس بأمنها وزعزعة استقرارها.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي