خواطر صعلوك

الشيخة «ماريانا» وعفاريت فيينا بنكهة اليورو!

تصغير
تكبير

نحن قومٌ جلدنا ذواتنا حتى تورمت، ولعنا «سنسفيل» تخلفنا ألف مرة، ظناً منا أن الجهل والشعوذة هي بضاعة محلية حصرية، لا تباع إلا في حوارينا الضيقة ودولنا العربية، ولا يشتريها إلا «الجهلاء» الذين ضاقت بهم سبل الحياة، فيتعلمون ما يفرق بين المرء وزوجه، وكيف يربطون محلولاً، ويحلون مربوطاً والطوالع والطلاسم وأبواب المحبة والدخول على المسؤولين وضرب الرمل... ونردد دائماً أن «الخواجات» في أوروبا قد تجاوزوا مرحلة «فك السحر» و«جلب الحبيب»، وأنهم يعيشون في نعيم العلم والمنطق.

ولكن، تأتي الأخبار من بلاد النمسا وألمانيا -قلاع الصناعة والفلسفة- لتقول لنا: «اهدأوا قليلاً... فالغفلة داء عالمي».

الشرطة النمساوية عزيزي القارئ، تقلب الدنيا رأساً على عقب بحثاً عن سيدة تُدعى ماريانا ميجايلوفيتش. سيدة تبلغ من العمر 44 عاماً، من أصول صربية-كرواتية، وبمواصفات جمالية «شفتين ممتلئتين وطول فارع»، لكنها لم تستخدم جمالها في عرض الأزياء، بل استخدمته في ثاني أقدم مهنة من التاريخ: الدجل.

الست «ماريانا» لم تكن تبيع البخور في شقة بإحدى ضواحي الكويت، بل كانت تتمشى في أرقى ساحات فيينا وميونخ، تتصيد النساء اللواتي تفوح منهن رائحة الثراء (والفراغ). تقترب منهن بثقة العارفين ببواطن الأمور، وتهمس في آذانهن بالجملة السحرية التي تفتح مغارة علي بابا: «عليكِ لعنة... ومجوهراتك مسكونة بالأرواح الشريرة».

وبدلاً من أن تضحك هؤلاء النسوة «المتحضرات» في وجهها، أو يطلبن لها الإسعاف النفسي، سلمن لها عقولهن –وجيوبهن– تسليم الأهالي.

إحداهن دفعت لها ما يقارب 575 ألف يورو (يعني حوالي 185 ألف دينار كويتي دينار ينطح ديناراً) بعد أن أقنعتها ماريانا أنها ستعالجها من مس الشياطين... تخيلوا(!) شياطين في فيينا التي تصدح بموسيقى موزارت وبيتهوفن!

والأكثر مأسوية، سيدة أخرى دفعت لها 56 ألف يورو (حوالي 18 ألف دينار كويتي) أملاً في الشفاء من السرطان، لكنها توفيت لاحقاً، لتثبت لنا «ماريانا» أن الدجل ليس مجرد سرقة، بل هو جريمة قتل بدم بارد للأمل الأخير.

الحصيلة النهائية لغزوات الشيخة ماريانا في جيوب نساء أوروبا وصلت إلى 9.5 مليون يورو (أي ما يتجاوز 3 ملايين دينار كويتي)... رقم يجعلك تشك أننا نحن «الدراويش» وليس هم.

هذه القصة تصفعنا بحقيقة نتهرب منها وهي أن الشعوذة لا دين لها، ولا وطن... المسألة ليست مرتبطة بالإسلام أو المسيحية، وليست حكراً على المجتمعات الشرقية... الشعوذة، يا سيدي، هي الابنة الشرعية للفراغ النفسي وغياب المعنى.

الإنسان -أي إنسان- حين يعجز طبه، ويخيب علمه، ويشعر بالوحدة وسط زحام المادة، يبحث عن أي قشة «ميتافيزيقية» يتعلق بها... سواء كان يرتدي قحفية في دولة عربية، أو ترتدي فستاناً من «شانيل» في شوارع ميونخ. الخوف من المجهول، والرعب من المرض، والبحث عن «المعجزة» هي غرائز بشرية تستغلها «الماريانات» في كل زمان ومكان.

تذكرتُ فوراً العبقري الأسمر أحمد زكي في رائعته «البيضة والحجر» وتذكرت شخصية «مستطاع» مدرس الفلسفة الذي تحول إلى دجال، ليس لأنه يؤمن بالدجل، بل لأن المجتمع هو الذي يريد أن يُخدع. كان قال جملته الخالدة: «الدجل ده مهنة زي أي مهنة... الطلب هو اللي بيخلق العرض».

«ماريانا» هي النسخة الأوروبية من «مستطاع»، لكن بلا الفلسفة وبلا الضمير الذي استيقظ في نهاية الفيلم... هي أدركت أن المجوهرات التي ترتديها هؤلاء النسوة ليست مسكونة باللعنة كما تدعي، بل هي مسكونة بالوحدة... هي لم تعالجهن بالأحجبة والبخور، بل عالجتهن ببيع «الوهم» الذي كنّ في أشد الحاجة لشرائه.

والمفارقة الكوميدية في النهاية، أن الشرطة الأوروبية رصدت جائزة لمن يدلي بمعلومات عنها قدرها 5 آلاف يورو (حوالي 1600 دينار كويتي). يا سادة، هذه السيدة تملك الآن 3 ملايين دينار، هل تظنون أن أحداً سيسلمها مقابل «خردة»؟ الأغلب أنها تجلس الآن في جزيرة استوائية، تشرب نخب «غباء البشر»، وتضحك بملء شفتيها الممتلئتين على عالم غارق في التكنولوجيا، لكنه ما زال يرتعد خوفاً من عين الحسود و«لعنة الأرواح».

فلا تحدثني عن التطور والحضارة... حدثني عن الإنسان حين يتعرى من المنطق أمام أول «خرعة» من ابتلاءات القدر... وسلم لي على «العفاريت» في فيينا (!)...

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل!

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي