﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ - سورة آل عمران، الآية 140 - كانت هذه الآية الكريمة حاضرةً في ذهني وأنا أكتب هذه المقالة، أستحضر معناها في تداول الأيام بين الناس، راجياً أن تبعث الطمأنينة في النفوس، وتشدّ من أزر مَن أثقلهم القلق.
ليس مستغرباً أن نعيش هذه الأيام مرحلة تتسارع فيها التغيرات السياسية الكبرى في العالم، لا سيما في غرب آسيا، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية والشخصية، وتتراجع يقينيات ظنّ كثيرون دولاً كانوا أم أفراداً أنها ثابتة. الحديث عن تغيّر الخرائط، واختفاء دول وظهور أخرى، وسقوط حكومات وصعود غيرها، واضطراب عملات وتلاشي أخرى، أصبح جزءاً من أحاديث المجالس.
لكن وسط هذا الضجيج يفرض سؤال نفسه بإلحاح: كيف نحمي أبناءنا وأوطاننا من أن يتحول القلق العالمي إلى قلق داخلي يزعزع استقرار البيوت قبل أن تمسه الحدود؟ وكيف نصون الأسرة والتي تعتبر خط الدفاع الأول عن المجتمع في زمن تتزايد فيه مظاهر التفكك والاستهانة بقيم الحياة الأسرية والذي يؤكد عليه الدستور الكويتي في مادته التاسعة أن «الأسرة أساس المجتمع»؟
المشكلة ليست في قراءة الواقع الذي يحيط بنا من كل صوب بوعي، بل في السماح له بأن يقتحم وجدان الأسرة دون ضابط. ففي أزمنة التغيرات الكبرى لا يكون القلق سياسياً فحسب، بل يصبح وجودياً. أخبار صراعات تتسع وقوى تتبدل واقتصادات تهتز وحدود يعاد الحديث عنها. وفي خضم هذا المشهد يقف عميد الأسرة متسائلاً: هل سيعيش أبنائي الاستقرار الذي عشته أنا؟ من يعتقد أن هذا السؤال لا يصدر إلا عن ضعف فقد أضاع بوصلته، بل وجهل بمسؤولياته، وإن لم يُضبط فإن هذا القلق الطبيعي سيتحول إلى قلق دائم يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، فيصبح البيت امتداداً لنشرات الأخبار والأخبار المضللة في الكثير من شبكات التواصل الاجتماعي عن حروب كارثية محتملة أو أطماع دول أو انهيارات اقتصادية. وهنا يكمن الخطر الحقيقي بأن ينتقل التوتر من العالم إلى داخل الأسرة الصغيرة!
الرفاه الذي عشناه لم يأتِ من استقرار دائم، بل من قدرة الأجيال السابقة على التكيف مع المتغيرات، فالعالم لم يكن يوماً من الأيام ساكناً، ولم تخلُ المراحل السابقة من أزمات وحروب وانهيارات. ومع ذلك استطاعت أجيال قبلنا أن تبني وتستقر لأنها أحسنت قراءة واقعها وتكيّفت معه. ما حمانا لم يكن ثبات العالم، بل مرونتنا في التعامل معه. فالتاريخ لم يكن مستقيماً كما يبدو في الذاكرة.
أجيال عاشت الحروب العالمية والاحتلالات والأزمات الاقتصادية، وظنت أن المستقبل سيكون أشد قسوة على أبنائها، لكن الزمن أثبت أن المستقبل كان مختلفاً لا أسوأ بالضرورة.
الاختلاف سنة الحياة وأما التكيف فهو سر البقاء. إن الخلل يبدأ حين يتحول الوعي السياسي إلى ذعر داخلي، وحين يُربّى الأبناء على شعور دائم بأن العالم ينهار. الطفل لا يفهم تعقيدات العلاقات الدولية، لكنه يلتقط نبرة الخوف في صوت والده. وقد يترك ذلك أثراً نفسياً عميقاً، كما تركت في نفوس أجيال سابقة أحاديث الكبار عن حرب نووية وشيكة كما عهدته بنفسي في الخمسينات والستينات من القرن السابق. القلق المزمن لا يحمي الأبناء، بل يزعزع إحساسهم بالأمان.
أن أعظم ضمانة للأبناء ليست استقرار النظام الدولي أو استقرار البلد الذي يعيش فيه الإنسان أو السلطة التي تحكمه، بل نوع التربية التي يحملونها وسلاح العلم الذي يتزودون به. قد تتغير موازين القوى مع تغير الوقائع، فقد تهبط عملات أو تختفي، لكن الإنسان الذي نشأ على تكوين سليم لا يكون ضحية سهلة لهذه المتغيرات.
فحين يُربّى الأبناء على التفكير النقدي لا يخدعهم الإعلام، وحين يتعلمون الإدارة المالية لا يسقطون مع أول أزمة مالية، وحين تُغرس فيهم مبادئ راسخة لا تهزهم التقلبات السياسية بسهولة. وإذا امتلكوا مهارات ومعرفة عابرة للحدود، فلن تقف الجغرافيا عائقاً أمامهم حتى لو تغيّرت الخرائط.
قد يصبح العالم أكثر اضطراباً، لكنه قد يصبح أيضاً أكثر انفتاحاً أمام الأفراد الأقوياء علمياً ومالياً. في زمن التنافس ترتفع قيمة الكفاءة، وفي زمن التغير تتسع فرص من يجيد التكيف. ما يبدو تهديداً لجيل غير مستعد قد يكون فرصة لجيل مهيأ. فالخوف على الأسرة أو الوطن ليس ضعفاً، بل مسؤولية ومحبة. لكن الفارق بين الخوف البنّاء والخوف المُنهِك دقيق وحاسم. هناك خوف يدفع إلى التخطيط والتعليم وبناء الأمان المالي والمعرفي، وهناك خوف يشل الإرادة ويسرق بهجة الحاضر ويحوّل البيت إلى مساحة انتظار دائم للكارثة.
السؤال الحقيقي ليس: هل سيتغير العالم؟ فذلك أمر حتمي. بل: هل سيقودنا القلق إلى مزيد من البناء أم إلى مزيد من التوتر؟ هل سيدفعنا إلى إعداد أبنائنا للحياة، أم إلى حرمانهم من الاستمتاع بها؟
قد يعيد العالم رسم خرائطه، وقد تتقلب العملات وتتأثر مدخراتنا، وقد تتغير موازين القوى. لكن البيت أو البلد الذي تسوده الطمأنينة الذي يقوم على تربية واعية ومسؤولة يظل أقوى من ضجيج المرحلة.
ونختم لنقول، إن أعظم ما يمكن أن يورّثه جيل لآخر ليس ضمان استقرار خارجي لا يملكه، بل قدرة داخلية على مواجهة أي مستقبل بثبات وثقة.