تبادل أطباق الإفطار... ممارسة اجتماعية جسّدت قيم التكافل والتراحم في الفرجان
«النِقصة»... عادة رمضانية كويتية أصيلة
في الكويت قديماً، لم يكن شهر رمضان المبارك مناسبة دينية فحسب، بل كان موسماً اجتماعياً تتجلّى فيه قيم التكافل والتراحم بين أبناء المجتمع.
ومن هذا المنطلق، التقت «الراي» مع الباحث في التاريخ الكويتي وعضو فريق إكسبو 965 - فهد معيوف الشمالي، لمعرفة تفاصيل أكثر عن أبرز المظاهر التي ارتبطت بهذا الشهر الفضيل، وهي عادة تبادل أطباق الإفطار بين الجيران، والتي تعتبر عادة اجتماعية أصيلة رافقت نشأة الكويت، وعكست طبيعة الحياة القائمة على القرب والمشاركة.
في البداية، قال الشمالي: «نشأت هذه العادة في زمن كانت فيه الفرجان متلاصقة، والبيوت مفتوحة على بعضها، وكان الجار جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. ومع غياب المؤسسات الاجتماعية بالمعنى الحديث، شكّل الفريج شبكة تكافل حقيقية، يتقاسم أهلها الطعام والهمّ والفرح، لا سيما في شهر رمضان الذي تتضاعف فيه معاني العطاء».
«رأس الجِدر»
وأضاف الشمالي «وقبيل أذان المغرب، تبدأ حركة مميزة في الأزقة، إذ تُحضَّر أشهى وألذّ الأطعمة في البيوت، ويُختار منها أفضل ما طُبخ، ما يُعرف بـ(رأس الجِدر)، ثم توضع في صحون خاصة تُرسل إلى الجيران. وكان الأطفال هم من يتولون مهمة إيصال هذه الأطباق، فيتحركون في كل اتجاه بين البيوت، في مشهد يومي مألوف عُرف باسم (النِقصة)، ولم تكن الصحون تعود فارغة، بل تُعاد محمّلة بطبق آخر، لتصبح مائدة الإفطار نتاجاً مشتركاً لأهل الفريج».
وحول مكونات الأطباق، قال: «ارتبطت هذه العادة بالمائدة الرمضانية الكويتية التقليدية، فكانت الأطباق المتبادلة تشمل التشريبة والجريش والهريسة والمحروق صبعه وخبز الرقاق والكبسة الكويتية والمجبوس الكويتي، إلى جانب شوربة العدس والشوربة الخضراء وغيرها العديد. ومع مرور الوقت، دخلت أطباق أخرى مثل الكبة والمعكرونة، كما أُضيفت حلويات مثل الكنافة والبسبوسة إلى جانب اللقيمات وصبّ القفشة والمحلبية، وكلها لاقت رواجاً كبيراً في رمضان».
«المرأة... عنصر أساسي»
أما عن دور المرأة، فأوضح بالقول: «كانت المرأة العنصر الأساسي في ترسيخ هذه العادة، فهي من تُعد الطعام وتحرص على جودته، وتغرس في أبنائها أهمية المشاركة وحسن الجوار. أما الأطفال، فكانوا حلقة الوصل بين البيوت، يتعلمون من خلال هذه الممارسة قيم العطاء والاحترام والتواصل الاجتماعي منذ الصغر».
وأكمل الشمالي، بالقول: «لم تكن عادة تبادل الأطباق مرتبطة بالحاجة فقط، بل كانت ممارسة عامة تشمل الجميع، غير أنها تأخذ بُعداً إنسانياً أعمق في حالات معينة، كوجود امرأة في فترة النفاس، أو غياب الزوج في البحر، أو وجود أرملة أو أسرة شهيد. وفي مثل هذه الحالات، كان الطعام يصل من دون سؤال أو إحراج، في صورة صادقة من صور التكافل الاجتماعي».
كما أوضح الشمالي، أن هذه العادة عُرفت في مختلف مناطق الكويت القديمة، لا سيما في الفرجان المتقاربة، وقال «هي لم تكن حكراً على حي أو فئة بعينها، بل شكّلت سلوكاً اجتماعياً عاماً، يعكس وحدة المجتمع وتماسكه. وتحمل هذه الممارسة رمزية خاصة في رمضان، حيث يتحول الطعام إلى وسيلة للتقارب، وصلة الرحم، وتأكيد روح الجماعة».
وأضاف: «ومع تغيّر أنماط الحياة واتساع المدن، إلا أن هذه العادات ما زالت تحافظ على تماسكها رغم تباعد المساكن، إذ لا تزال روح هذه العادة حاضرة، سواء في بعض الأحياء، أو من خلال محاولات إحيائها بصور حديثة، كتبادل الأطباق أو الحلويات أو الهدايا الرمزية في رمضان».
«أجمل صور رمضان»
وختم الشمالي، بالقول: «تبقى عادة تبادل أطباق الإفطار بين الجيران، وما يرتبط بها من تقاليد واحدة من أجمل صور رمضان الكويتي القديم، وذاكرة اجتماعية تختصر معنى الجيرة الحقيقية. فهي ليست مجرد عادات غذائية، بل ممارسات إنسانية عميقة، تعبّر عن مجتمع جعل من رمضان موسماً للتقارب، ومن الطعام وسيلة للمحبة قبل أن يكون حاجة».
«النافلة»
أوضح الشمالي، أن صورة العادات الرمضانية في الكويت قديماً لا تكتمل من دون التوقف عند النافلة، لافتاً إلى أنها «من التقاليد الاجتماعية التي كانت تُقام في أيام محددة من شهر رمضان، أبرزها يوم الخميس. والنافلة عبارة عن وجبة تُحضّر في البيوت وتُقدَّم قبل موعد السحور وتشبه (الغبقة)، وكانت مناسبة اجتماعية تجمع أهل الفريج في أجواء من الأُلفة والتواصل.
وقد شكّلت النافلة امتداداً لروح المشاركة والتكافل التي ميّزت المجتمع الكويتي خلال الشهر الفضيل».