ابتكار «أسمنت حي» يتنفس وينمو ويرمم نفسه ذاتياً!
في خطوة علمية ثورية ومبهرة قد تغير ملامح الهندسة المعمارية وصناعة البناء العالمية إلى الأبد، نجح فريق دولي من العلماء المرموقين في تطوير تقنية لإنتاج مادة بناء بديلة عن الأسمنت تتميز بأنها حية وفريدة تمتلك قدرة خارقة على النمو والتنفس وإصلاح نفسها ذاتياً واحتجاز غاز الكربون من الغلاف الجوي في آن واحد وبكفاءة عالية.
وتعتمد هذه التقنية الحيوية المبتكرة على دمج كائنات مجهرية دقيقة ونشطة داخل بنية المواد الإنشائية التقليدية، حيث تعمل هذه الكائنات كمهندسين بيولوجيين مجهريين يقومون بترميم الشقوق والصدوع الدقيقة فور ظهورها، ما يطيل عمر المنشآت بشكل غير مسبوق ويقلل بنسبة كبيرة من الحاجة إلى عمليات الصيانة المكلفة والمضرة بالبيئة التي تعتمد عادة على الإسمنت التقليدي الكثيف الكربون.
ولا تكمن الأهمية القصوى لهذا الابتكار الأخضر في متانته الاستثنائية وصلابته الهيكلية فحسب، بل في كونه يمثل حلاً حقيقياً ومستداماً لأزمة التغير المناخي المتفاقمة، إذ إن قطاع البناء والتشييد يعد من أكثر القطاعات الملوثة والمنتجة للغازات الدفيئة على مستوى الكوكب. ومن خلال تحويل المباني الصماء إلى كيانات بيولوجية نشطة تمتص ثاني أكسيد الكربون من الهواء المحيط وتخزنه بأمان داخل جدرانها، ننتقل فعلياً من نموذج البناء المستهلك للبيئة والمخرب للطبيعة إلى نموذج البناء المساهم بفعالية في ترميم الكوكب، وهو توجه استراتيجي يتماشى تماماً مع الأهداف العالمية الرامية للوصول إلى الحياد الكربوني الصفري في أقرب وقت ممكن.
وعلاوة على ذلك، تتميز هذه المادة الحية بمرونة وظيفية عالية تتيح لها التكيف الذاتي مع الظروف البيئية القاسية والمتغيرة، مثل التقلبات الكبيرة في درجات الحرارة أو مستويات الرطوبة الجوية، حيث يتم تحفيز النشاط البيولوجي الترميمي داخل المادة بناءً على محفزات فيزيائية وكيميائية خارجية محددة سلفاً. ويرى الباحثون الطموحون أن مستقبل المدن الذكية المستدامة سيعتمد بشكل أساسي على مثل هذه المواد «الذكية بيولوجياً» التي تتفاعل بذكاء مع محيطها، ما يجعل البنية التحتية للمدن أكثر صموداً في وجه الكوارث الطبيعية وأكثر انسجاماً مع النظم البيئية المحلية التي تضررت بشدة بفعل الزحف العمراني الخرساني الجاف.
ونتيجة لهذه الأبحاث الرائدة والمضنية التي استمرت لسنوات، تتبلور مجموعة من الخصائص الفريدة التي تجعل من هذه المادة الحيوية خيار المستقبل الأوحد، حيث نجد أن:
• السلالات البكتيرية المستخدمة في تركيب المادة قادرة على إنتاج مادة كربونات الكالسيوم الصلبة التي تسد الفراغات والشقوق المجهرية، وهو ما يعزز من الصلابة الهيكلية للمبنى بشكل مستمر وتلقائي دون تدخل بشري.
• عملية التصنيع البيولوجي لهذه المواد تتطلب طاقة حرارية أقل بكثير مقارنة بإنتاج الإسمنت والخرسانة العادية، ما يقلل بشكل جذري من البصمة الكربونية الأولية للمشاريع الإنشائية الضخمة قبل البدء في تشغيلها.
• المادة الحيوية تظل حية ونشطة لسنوات طويلة جداً، ويمكن تحفيزها للنمو السريع أو الإصلاح الفوري عند الحاجة القصوى من خلال توفير بعض المغذيات البسيطة أو التحكم الدقيق في مستويات الرطوبة داخل المسام الجدارية.
وختاماً، فإن الحلم بالعيش في منازل «تتنفس» حرفياً وتصلح نفسها بنفسها قد لا يبقى مجرد مشهد خيالي من أفلام المستقبل البعيد، بل هو واقع تقني ملموس بدأ يتشكل فعلياً في المختبرات العالمية اليوم، ما يبشر بولادة فجر جديد للبناء المستدام الذي يحترم قوانين الطبيعة ويوظف ذكاءها البيولوجي الفطري لخدمة البشرية وضمان بقائها في بيئة نظيفة وآمنة ومزدهرة بعيداً عن كوابيس التلوث الخرساني.