ثورة في طب الأعصاب
تمرين ذهني بسيط يكافح الإصابة بخرف الشيخوخة
كشفت دراسة علمية نشرتها دورية متخصصة في العلوم العصبية عن نتائج مذهلة تشير إلى أن الالتزام بنوع معين من التمارين الذهنية المحفزة يمكن أن يؤدي إلى خفض احتمالات الإصابة بالخرف ومرض «ألزهايمر» بنسبة تصل إلى 25 في المئة.
وأوضح الباحثون أن الدماغ البشري يمتلك خاصية «اللدونة العصبية» التي تسمح له بإعادة بناء روابط جديدة حتى في مراحل متقدمة من العمر، وهو الأمر الذي يعني أن التدريب المعرفي المستمر يعمل كدرع واقٍ يحمي الخلايا العصبية من التحلل.
وتأتي هذه النتائج في وقت تتزايد فيه المخاوف العالمية من ارتفاع معدلات الأمراض الإدراكية مع زيادة متوسط عمر الإنسان، ما يضع هذه التمارين البسيطة في مقدمة الاستراتيجيات الوقائية غير الدوائية.
ويرى العلماء أن التمرين الذهني المقصود لا يتطلب أدوات معقدة أو تكاليف باهظة، بل يعتمد على تحدي الدماغ بمهام جديدة تخرجه من «منطقة الراحة» الروتينية، مثل تعلم لغة جديدة، أو العزف على آلة موسيقية، أو حتى ممارسة ألعاب الألغاز المتقدمة التي تتطلب تفكيراً استراتيجياً.
ومن الناحية البيولوجية، فإن هذه الأنشطة تزيد من تدفق الدم إلى القشرة الدماغية وتحفز إفراز عوامل النمو العصبي التي تحافظ على حيوية الدماغ، وهو ما يجعل الاستثمار في «اللياقة الذهنية» لا يقل أهمية عن اللياقة البدنية في الحفاظ على جودة الحياة وصحة العقل دائماً.
وفي إطار تطبيق هذه المكتشفات العلمية في الحياة اليومية، يقترح خبراء الأعصاب مجموعة من الأنشطة التي تساهم في تقوية الحصانة الإدراكية، وذلك من خلال ممارسة ما يلي:
• حل الألغاز المتقاطعة أو ألعاب السودوكو بانتظام لتعزيز مهارات حل المشكلات والذاكرة قصيرة المدى.
• القراءة النقدية والمشاركة في نقاشات فكرية تتطلب استرجاع المعلومات وربطها ببعضها البعض بطريقة منطقية.
• تعلم مهارة يدوية دقيقة تتطلب تنسيقاً بين العين واليد، ما يحفز مناطق مختلفة من الدماغ في آن واحد.
وبالإضافة إلى التمارين الذهنية، شددت الدراسة على أهمية التفاعل الاجتماعي في حماية العقل، حيث تبين أن العزلة الاجتماعية تعد من أكبر عوامل الخطر التي تسرع من تدهور الوظائف المعرفية. إن دمج التحديات الذهنية مع التواصل البشري الفعال يخلق بيئة مثالية لنمو الدماغ وحمايته من عوامل التعرية الزمنية.
كما أشار الباحثون في الولايات المتحدة و«أوروبا» إلى أن النتائج كانت أكثر وضوحاً لدى الأفراد الذين بدأوا هذه التمارين في سن مبكرة، إلا أن الفائدة تبقى قائمة وملموسة حتى لمن بدأوا في سن الستين أو السبعين، ما يفتح باب الأمل أمام الجميع.
وختاماً، فإن العقل البشري هو أثمن ما يملكه الإنسان، والحفاظ عليه يتطلب وعياً بآليات عمله واحتياجاته التطويرية. وهذه النسبة المئوية المرتفعة التي حققتها التمارين الذهنية في تقليل مخاطر الخرف تعطي دافعاً قوياً لتغيير نظرتنا للشيخوخة، ليس كفترة تدهور حتمي، بل كمرحلة يمكن خلالها الحفاظ على التوقد الذهني والحضور المعرفي. ومن خلال تبني عادات عقلية إيجابية ومحفزة، يمكننا أن نضمن بقاء الذاكرة حية والقدرات العقلية حادة، لنتواصل مع من نحب ومع أنفسنا بكل وضوح وقوة دائماً وأبداً.