عمليات التطهير في الجيش الصيني تُرسّخ نفوذ شي جينبينغ
أثار إعلان الصين خضوع قائد قواتها العسكرية للتحقيق دهشة المراقبين الذين رأوا فيه إضعافاً للهيئة العسكرية العليا، لكنه يرسخ نفوذ الرئيس شي جينبينغ.
يخضع تشانغ يوشيا، نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية المهيبة، للتحقيق بتهمة ارتكاب انتهاكات قانونية جسيمة، وهو تعبير ملطف في الصين للفساد. وتنتهي مثل هذه التحقيقات عادة بالإقالة.
حتى وقت قريب، لم يكن أحد تقريباً يتوقع تهميش تشانغ، نظراً لتمرسه في الخدمة العسكرية منذ أمد طويل وعلاقته الوثيقة بشي. فقد شوهد الجنرال مراراً واقفاً بجانب الرئيس خلال حفلات ترقية الضباط، حتى ديسمبر الماضي.
نجا تشانغ القوي البنية، وذو الملامح الحادة، من جولات عدة سابقة من حملات مكافحة الفساد التي استهدفت اللجنة العسكرية المركزية التي تضم سبعة أعضاء، منذ تشكيلها خلال مؤتمر الحزب الشيوعي الأخير عام 2022.
ويخضع ليو تشنلي وهو مسؤول آخر في اللجنة العسكرية المركزية للتحقيق أيضاً. ومن ثم لم يبق سوى عضوين معروفين في اللجنة بمنأى عن ذلك هما الرئيس شي ومسؤول الانضباط تشانغ شنغ مين.
عائلة عسكرية
وُلد تشانغ في 1950 بعد أقل من عام على إعلان الزعيم ماو تسي تونغ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، في عائلة انخرطت وقاتلت في صفوف القوات الشيوعية.
كان والده تشانغ تسونغ شون أحد «الجنرالات المؤسسين» لجمهورية الصين الشعبية، وخدم إلى جانب والد شي عندما كانا مقاتلين شيوعيين في شمال غربي البلاد.
يُعد تشانغ الابن وشي، البالغان 75 و72 عاماً على التوالي، من «أبناء القادة الثوريين» الذين استفادوا من علاقاتهم العائلية.
مسيرة مهنية
انضم تشانغ إلى الجيش في سن الثامنة عشرة، وترقى في الرتب ضمن فوجٍ خدم في مقاطعة يونان، المتاخمة لبورما ولاوس وفيتنام، في جنوب غرب الصين.
وشارك في نزاعات حدودية عدة، من بينها الحرب الصينية - الفيتنامية التي استمرت لأسابيع عام 1979، وهو ما أكسبه خبرة قتالية قل مثيلها.
كانت هذه الحرب التي شارك فيها نحو 200 ألف جندي صيني، آخر نزاع مسلح كبير خاضته قوات جيش التحرير الشعبي، على الرغم من استمرار المواجهات مع فيتنام لنحو عقدٍ من الزمن.
انتقل تشانغ لاحقاً إلى الشمال، وعُيّن قائداً لمنطقة شنيانغ العسكرية. بعدها رُقّي إلى رتبة جنرال عام 2011، ثم كُلّف مسؤولية شراء وتطوير الأسلحة والمعدات.
اختير لعضوية اللجنة العسكرية المركزية عام 2012، عندما تولى شي جينبينغ رئاستها بعد أن ارتقى إلى قمة الحزب الشيوعي.
وقال درو طومسون، المسؤول الدفاعي الأميركي السابق، خلال زيارة وفد صيني للولايات المتحدة عام 2012، إن تشانغ الذي صقلته المعارك كان «محاطاً بهالة من الخبرة».
وكتب طومسون في منشور على منصة «سابستاك» عن لقائه به «كان الضباط يقفون بثبات وثقة فور دخوله الغرفة»، وأن تشانغ «لم يكن يخشى التحدث إلى الأجانب».
في 2017، رُقّي تشانغ إلى أحد مناصب نواب رئيس اللجنة العسكرية المركزية، وانضم أيضاً إلى المكتب السياسي، الهيئة النخبوية للحزب الشيوعي.
ثم تولى منصب النائب الأول لرئيس اللجنة العسكرية المركزية عام 2022.
علاقاته بشي
وصف بعض المحللين تشانغ بأنه صديق طفولة شي، بينما شكك آخرون في هذا الادعاء.
يقول نيل توماس، الباحث في النخب السياسية الصينية في جمعية آسيا، إنه لا تتوافر سوى معلومات ضئيلة عن طبيعة علاقتهما.
ربما تحرك الرجلان في بكين منذ طفولتهما في دائرة العلاقات نفسها نظراً لأن والديهما ينحدران من مقاطعة شنشي الشمالية، لكنهما لم يعملا معاً إلا في مراحل لاحقة من حياتهما المهنية.
ومع ذلك، حرص الرئيس على صعود تشانغ، كما كتب توماس، وهو ما يُظهر بوضوح أن شي كان يعده «زميلاً جديراً بالثقة».
... وسقوطه
انتشرت إشاعات عن فتح التحقيق قبل أيام من الإعلان عنه، بعد أن بدا أن تشانغ وليو قد تغيبا عن اجتماع رسمي ترأسه شي وحضره النائب الثاني لرئيس اللجنة العسكرية المركزية تشانغ شنغمين.
لكن المحللين قالوا إن المشكلة بدأت قبل ذلك بكثير، مُشيرين إلى حملة التطهير التي طالت وزير الدفاع السابق لي شانغفو الذي كان يُشرف، مثله مثل تشانغ، على المعدات العسكرية.
لم تُفصح وزارة الدفاع عن أسباب فتح التحقيق مع تشانغ وليو. ولكن صحيفة «جيش التحرير الشعبي» وصفتهما بأنهما «عنصران فاسدان» في مقالة نُشرت على صفحتها الأولى الاثنين.
وجاء فيها أن «التحقيق الحازم ومعاقبة» تشانغ وليو «يزيلان العقبات» و«يستأصلان ما يُوهن الفعالية القتالية».
وورد في مقالة سابقة، نُشرت بعد يوم من الإعلان عن التحقيق، أن تصرفاتهما «أوهنت على نحو جسيم وانتهكت منظومة مسؤوليات وصلاحيات رئيس اللجنة العسكرية المركزية» شي جينبينغ.