مجلس ترامب... أداة جديدة للسلام وإعادة إعمار غزة أم لتمرير الأجندة الإسرائيلية؟

فلسطينيون نازحون وسط الركام في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة  (أ ف ب)
فلسطينيون نازحون وسط الركام في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة (أ ف ب)
تصغير
تكبير

- ترامب ونتنياهو يسيران في اتجاه متوازٍ: تحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية تتطلب حلاً إلى «مشكلة إدارية» يمكن إدارتها إلى ما لا نهاية
- ما لم تحققه إسرائيل بالحرب تسعى لتحقيقه الآن من خلال مجلس ترامب الدولي
- تحوّل إستراتيجي يعيد تعريف مفهوم «إدارة الصراع»
- لا وقف نار ولا انسحاب ولا إعمار كاملاً... وإسرائيل ستواصل «إدارة النزاع» من دون أن تدفع ثمناً سياسياً

في تحول إستراتيجي يعيد رسم خريطة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، يبدو أن الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو تعمل على توظيف «مجلس السلام الأميركي» الجديد، الذي أعلن عنه الرئيس دونالد ترامب أخيراً، كأداة لتحقيق أهداف لم تتمكن من إنجازها عبر الحرب العسكرية المباشرة على غزة.

المعارضة المعلنة والتنسيق السري

وجاء في افتتاحية صحيفة «هآرتس» الاحد: «لنتنياهو حقيبة قتال دائم ضد المرحلة الثانية من أي اتفاق، حيث إن كل اتفاق يلزم الانتقال من مرحلة عسكرية إلى مرحلة سياسية يكاد يصطدم تلقائياً بجر أرجل إسرائيل، وتشديد الشروط، وهندسة حوادث تعيد الجميع إلى نقطة البداية».

وتضيف الافتتاحية التي حملت عنوان «إلى المرحلة الثانية، حتى قسراً»: «ودوماً تطل ملابسات جديدة أو خرق يبرر العرقلة. وبالفعل سارع مكتب رئيس الوزراء إلى القول إن الإعلان عن تركيبة اللجنة الإدارية لغزة، لم ينسق مع إسرائيل ويتعارض مع سياستها».

لكن ثمة تناقض صارخ بين هذا الخطاب العلني والواقع الخلفي. وكتبت ليزا روزوفسكي في «هآرتس» تحت عنوان «غزة هي مجرد ذرة الرمل»: «حسب مصادر مطلعة، فإن نتنياهو كان على معرفة جيدة بحبة الدواء المرة التي يجب عليه ابتلاعها، وتشكيلة اللجنة تم تنسيقها معه. هذا إضافة إلى أنه كان يصعب ألا نكون على معرفة بنية الولايات المتحدة الإعلان عن الانتقال إلى المرحلة الثانية».

استمرار التوسع تحت غطاء وقف إطلاق النار

يكشف تحقيق للصحيفة يستند إلى صور الأقمار الاصطناعية من شركة Planet Labs أن «إسرائيل تواصل هدم المباني والتوسع في غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار».

وجاء في الافتتاحية: «الخط الأصفر الذي سحبت إليه إسرائيل بداية وقف النار يتسلل عملياً في حالات معينة مئات الأمتار إلى المنطقة التي رسمياً تحت سيطرة حماس، وكيف استمر هدم المباني حتى بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ».

وتضيف «وبالتوازي يسيطر الجيش الإسرائيلي على أكثر من نصف أراضي القطاع، وهكذا تنشأ صورة انتقالية تتثبت: لا وقف نار كاملاً، لا انسحاب، لا إعمار، لا حكم مدني يؤدي مهامه، فقط روتين تآكل، كل طرف فيه يمكنه أن يتهم الآخر، وإسرائيل يمكنها أن تواصل (إدارة النزاع) في غزة دون أن تدفع ثمناً سياسياً».

مجلس ترامب: نهاية النظام الدولي القديم

تحلل روزوفسكي في مقالها العميق: «يصعب إنكار أن العقود الأخيرة، خصوصاً السنوات الأربع الأخيرة منذ غزو روسيا لأوكرانيا، أثبتت أن النظام العالمي الراسخ الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية قد تصدع. ربما تصدع هي كلمة ضعيفة جداً. هذا المبنى الذي تم هزه مرة تلو الأخرى يذكر الآن بالخراب الذي حدث بعد القصف».

وتتابع «ترامب، بالتشاور مع مساعديه والمقربين منه، يصمم الآن على تسوية هذا المبنى بشكل نهائي - غزة على سبيل المثال. ميثاق مجلس السلام تضمن في الواقع بضع كلمات عن أنه سيعمل وفقاً للقانون الدولي، لكن عندما يدور الحديث عن إدارة فرضت عقوبات على محكمة الجنايات الدولية وقضاتها، فمن الواضح أن هذا حتى ليس فيه أي تظاهر، بل هو خطاب فارغ من المضمون. القانون الوحيد الذي من شأنه أن يسود في مجلس السلام هو رغبة رئيسه دونالد ترامب».

الانتداب الأميركي الجديد على الفلسطينيين

ويكتب جاكي خوري في «هآرتس» تحت عنوان «الانتداب الأميركي: مصير الفلسطينيين يحسم من فوق رؤوسهم ومن دون مشاركتهم»، ان «بيان الرئيس دونالد ترامب حول إقامة مجلس السلام ليس فقط خطوة سياسية جديدة. فهذا تصريح له أهمية عميقة: عودة الرعاية الدولية، بالأساس الأميركية، على الشعب الفلسطيني. 78 سنة بعد النكبة وانتهاء الانتداب البريطاني، مرة أخرى يجد الفلسطينيون أنفسهم تحت انتداب، هذه المرة أميركي، مغطى بلغة السلام وإعادة الإعمار والاستقرار».

ويوضح ان «المجلس الذي أعلن عنه ترامب، مع اللجنة الإدارية العامة واللجنة الإدارية لغزة المرافقة له، لا تشمل أي ممثل فلسطيني، سواء منتخب أو معين أو «مقبول». هذه الأجسام يجب عليها وضع سياسة، رسم خطط واتخاذ قرارات مصيرية. حتى لو كانت بعض القرارات سيتم نقلها إلى لجنة التكنوقراط في غزة، فإن الأمر يتعلق بنقل أوامر فقط».

إستراتيجية «حماس»: نموذج «حزب الله»

من جهته، يحلل ميخائيل ميلشتاين في صحيفة «يديعوت أحرونوت» تحت عنوان «تطلع حماس: نموذج لبنان في غزة»: «يجسد الإعلان الأميركي عن تشكيلة مجلس السلام والانعقاد الأول للجنة إدارة القطاع في القاهرة في نهاية الأسبوع أنه رغم الفجوات التي لا تزال قائمة حول تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق في غزة، دخلنا عملياً إلى المرحلة الثانية».

ويقول «يستوجب الخطاب في إسرائيل الاعتراف بحقائق عدة وبأقل ما يمكن من الشعارات. حقيقة ثانية، أليمة ومقلقة بقدر كبير تتعلق بحماس. فقد رحبت الحركة بإقامة اللجنة، الأمر الذي يجسد على ما يبدو أنها لا تخشاها وتعتقد أنها ستشكل غطاءً تجميلياً وستكون مسؤولة عن توفير احتياجات الغزيين من دون أن تقيد عمل المنظمة على المستوى الأمني أو تتدخل في عمل منظومتها المدنية. حماس عملياً تسعى لتثبيت نموذج حزب الله في غزة – أي أن تبقى الجهة السائدة في المنطقة، فيما أنه في الخلفية توجد حكومة رسمية ضعيفة».

وتكشف روزوفسكي عن آليات عمل المجلس: «هذه الخطوة تنطوي على أخطار كبيرة على سمعة القادة الغربيين. مع ذلك، بالنسبة لدول الجنوب العالمي التي تتمتع ظاهرياً على الأقل بمساواة مع الدول الكبرى والقوية في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، فإن محاولة إنشاء أمم متحدة منافسة تعتبر بمثابة قطع الغصن الذي تقف عليه».

الردود الفلسطينية بين اليأس والقبول

ويكشف خوري عن واقع القيادة الفلسطينية: «في السلطة في رام الله يحاولون تصوير الأمور وكأنها على ما يرام. يستطيع الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحاشيته، وعلى رأسهم نائبه حسين الشيخ ورئيس المخابرات ماجد فرج، القول إن مشاورات واتصالات جرت مع توني بلير ونيكولاي مالادينوف، بل إنهم سارعوا في الأسبوع الماضي إلى تهنئة ترامب على تشكيل لجنة التكنوقراط وأشادوا به رغم الإدراك الكامل لنفوذهم الضئيل».

ويضيف خوري: «هذه الخطوة تتم من دون معرفتهم أو مشاركتهم، والرئيس الأميركي لا يعتبرهم شركاء حقيقيين. في الوقت نفسه، كما هو متوقع، بدأ نتنياهو مباشرة بعد انتهاء (يوم) السبت في تقويض هذه الخطوة والتعبير عن معارضته لهوية أعضاء اللجنة التنفيذية لغزة. المعنى واضح: إلى أن تتم إزالة التحفظات الأمنية، وتسمح إسرائيل للجنة التنفيذية لغزة ولجنة التكنوقراط بالعمل بانتظام، قد تمر بضعة أسابيع وربما أشهر إلى أن يتم إفراغ كل القرارات من مضمونها».

الواقع الفلسطيني المأسوي

يصف خوري الواقع الفلسطيني المرير: «في واقع 2026، فإن مصير الفلسطينيين في قطاع غزة لم يعد مسنداً لأي جهة فلسطينية. فالسلطة الفلسطينية التي طمحت إلى العودة إلى القطاع من خلال البوابة السياسية تفقد في الوقت نفسه القدرة على السيطرة على أراضي الضفة الغربية، وتواجه تآكلاً مستمراً. أما في غزة نفسها فالوضع مختلف كلياً. لا يسألون من سيحكم ومن سيقرر، بل يبحثون عن حلول لأصغر الاحتياجات: الغذاء والدواء والمأوى. لقد تم اختزال الحلم الوطني إلى مجرد صراع يومي على البقاء».

حرب بالإدارة لا بالدبابات

تختتم افتتاحية «هآرتس» تحذيرها: «إذا كان ترامب يريد حقاً التقدم إلى المرحلة الثانية، فإنه ملزم أن يمارس ضغطاً متواصلاً على إسرائيل أيضاً. خطة العشرين نقطة ليست فقط مشروعاً عقارياً لإعمار الأنقاض، بل ترسم مساراً يبدأ بحكم فلسطيني مدني يؤدي مهامه، وينتهي بوعد سياسي لإمكانية تسوية أوسع تتضمن أفقاً لدولة فلسطينية. الحكومة الحالية ستفعل كل شيء كي يبقى هذا الأفق على الورق. محظور على ترامب أن يسمح بذلك».

لكن الواقع على الأرض يشير إلى أن ترامب وإسرائيل يسيران في اتجاه متوازٍ: تحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية تتطلب حلاً، إلى «مشكلة إدارية» يمكن إدارتها إلى ما لا نهاية، بينما تُستخدم آليات دولية جديدة ليس لحل الصراع، بل لإدامة الهيمنة الإسرائيلية تحت غطاء جديد. فما لم تحققه إسرائيل بالحرب، تسعى لتحقيقه الآن من خلال مجلس ترامب الدولي، في تحول إستراتيجي يعيد تعريف مفهوم «إدارة الصراع» في القرن الحادي والعشرين.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي