أي تطورات دراماتيكية ستُعيد القطاع إلى «نقطة الصفر»
«إستراتيجيات ما بعد الحرب»... رؤية إسرائيلية للمستقبل في غزة بين التفاوض والقتال
- تناقض صارخ بين الرغبة الإسرائيلية في «نزع سلاح كامل» والضغوط الأميركية لتحقيق «إنجازات سياسية سريعة»
في تحليل إستراتيجي نادر، طرح معهد أبحاث إسرائيلي رفيع المستوى، أربعة سيناريوهات لمستقبل غزة عام 2026، في ظل واقع جديد يقسم القطاع إلى منطقتين، «الخضراء» تحت السيطرة الإسرائيلية بنسبة 54 % من القطاع، و«الحمراء» تحت سيطرة حركة «حماس».
وسلط التقرير الضوء على التناقض الصارخ بين الرغبة الإسرائيلية في «نزع سلاح كامل» والضغوط الأميركية لتحقيق «انجازات سياسية سريعة».
وقدّم التقرير الصادر عن معهد بحوث الأمن القومي رؤيةً استراتيجيةً معمَّقةً للمأزق، الذي تواجهه إسرائيل في التعامل مع غزة مع دخول العام 2026.
وينطلق التقرير من فرضية أساسية مفادها بأن القطاع لم يعد كياناً موحَّداً، بل تحوَّل إلى كيانين منفصلين، أي «المنطقة الخضراء» التي تشمل 54 % من مساحته وتخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة في الشرق والشمال والجنوب، و«المنطقة الحمراء» التي تشمل المناطق الغربية وتظل تحت سيطرة «حماس»، وذلك في ظل غياب كيان حكم بديل فعَّال.
ويضع هذا الواقع الجديد، حسب تحليل المعهد، صانع القرار الإسرائيلي أمام معضلة استراتيجية حادة بين خياراتٍ تبدو جميعها محفوفةً بالمخاطر والتكاليف.
وكشف التقرير عن تناقضٍ بنيويٍّ عميق بين الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية التي تضع شروطاً أمنيةً صارمةً للانتقال بين مراحل أي تسوية، وبين السعي الأميركي لتحقيق مكاسب سياسية سريعة في إطار ما يُسمَّى «خطة دونالد ترامب».
وتكمن الخطورة، حسب ما يرى محللان ضمن التقرير، في أن التمسك بالنموذج التدريجي الصارم قد يُعطِّل تنفيذ الخطة الدولية برمتها، بينما يؤدي التنازل عن الشروط الأمنية الأساسية إلى إضعاف المكاسب الإستراتيجية التي حققتها إسرائيل خلال الحرب.
الإطار الدولي الجديد: خطة ترامب وقرار الأمم المتحدة 2803
واستند تحليل المعهد إلى الإطار الدولي الجديد الذي تشكَّل في أعقاب الحرب، والمتجسِّد في وثيقتين رئيستين: «خطة ترامب» المكونة من 20 بنداً والصادرة في أكتوبر 2025، وقرار مجلس الأمن الرقم 2803. ويحدد التقرير ثلاث مراحل عملية لهذا الإطار:
- مرحلة وقف النار الفوري، وتشمل إعادة جميع الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس، والإفراج عن أسرى فلسطينيين محددين من السجون الإسرائيلية، بالإضافة إلى توسيع نطاق المساعدات الإنسانية التي تدخل القطاع بشكل كبير.
- مرحلة إنشاء آليات التنفيذ: وفيها يُشكَّل «مجلس قادة السلام» للإشراف على العملية، وتُقام «لجنة تكنوقراطية فلسطينية» غير سياسية مسؤولة عن الإدارة المدنية اليومية في غزة، مع نشر «قوة استقرار دولية» وتدريب وتجهيز «قوات شرطة فلسطينية» جديدة خالية من عناصر «حماس»، حيث يتم في هذه المرحلة أيضاً الانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية إلى ما يُسمَّى «المحيط الأمني».
- مرحلة عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، وهي المرحلة النهائية التي يتم فيها نقل المسؤولية الكاملة للسلطة الفلسطينية، بعد تنفيذ حزمة إصلاحات داخلية والموافقة على استئناف الحوار السياسي المباشر مع إسرائيل.
ويؤكد التقرير أن التنفيذ سيكون عبر أربعة مسارات متوازية تركِّز على الجوانب الأمنية، والحوكمة، وإعادة الإعمار الاقتصادي والمادي، وإعادة التأهيل الاجتماعي ومكافحة التطرف.
البدائل الاستراتيجية الأربعة: من التفاوض الهادئ إلى العاصفة الحربية
وقدّم المحللان أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل التعامل الإسرائيلي مع غزة، مصنَّفةً بين الأكثر استحساناً والأكثر خطورة.
البديل الأول: السير قدماً في خطة ترامب مع «إيجابية مشروطة»
ويتمحور هذا السيناريو حول إظهار إسرائيل استعداداً مبدئياً لتنفيذ الخطة الدولية، مع التشديد على أن عملية نزع السلاح الفعلي والكامل لحماس هي شرط غير قابل للمساومة أو التأجيل. في المقابل، تُبدي إسرائيل مرونة في المطالبة بالإصلاحات الهيكلية داخل السلطة الفلسطينية كشرط مسبق لعودتها إلى غزة.
ويرى التقرير أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر جسيمة، أبرزها احتمال تعرُّض إسرائيل لضغوط دولية متصاعدة لتقديم تنازلات أمنية مبكرة مقابل إحراز تقدم سياسي ظاهري، كما أنها تمنح الشرعية لسلطة فلسطينية لم تُنفذ الإصلاحات المطلوبة.
للتحوط من هذه المخاطر، يوصي التقرير بوضع معايير أمنية قابلة للقياس والتحقق، وربط الانتقال بين كل مرحلة وأخرى بالوفاء بهذه المعايير، مع ضمان اعتراف دولي صريح بحق إسرائيل في العمل العسكري المستقل لمواجهة أي تهديدات ناشئة.
البديل الثاني: التركيز التفاضلي على «المنطقة الخضراء»
هذا السيناريو، الذي يبدو أكثر واقعية وفقاً لتحليل التقرير، يقترح تطبيق خطة ترامب بشكل تدريجي ومحصور في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية أي «المنطقة الخضراء»، والتي تم تطهيرها عسكرياً من بنية «حماس» التحتية، مثل محور رفح والمناطق الشمالية. والهدف هو خلق «نموذج نجاح» محلي في الحوكمة والأمن وإعادة الإعمار، على أمل أن يؤدي التفاوت الكبير في مستوى المعيشة والخدمات بين المنطقتين إلى خلق ضغوط داخلية على حماس لتسليم السلطة، وتشجيع نزوح سكاني من المناطق الحمراء إلى الخضراء. يعترف التقرير بأن هذا الخيار يُرسخ واقع التقسيم الجغرافي - السياسي للقطاع، وقد يؤدي إلى تدهور إنساني مروِّع في المناطق الخاضعة لحماس، مما سيعيد الأزمة إلى الواجهة الدولية. للحؤول دون ذلك، يقترح التقرير إنشاء فصل فيزيائي صارم بين المنطقتين، وتسريع وتيرة الإعمار في المناطق المنزوعة السلاح فقط، كي تبقى بمثابة أداة ضغط استراتيجية.
البديل الثالث: تجميد الوضع الراهن واستمرار السياسة الحالية
هذا الخيار، الذي يصفه التقرير بأنه «الأقل استحساناً» لكنه قد يفرض نفسه لغياب البدائل، يعني الإبقاء على الوضع القائم من دون تغيير جوهري: سيطرة إسرائيل على الجزء الشرقي من القطاع وسيطرة "حماس" على الجزء الغربي، مع استمرار منع عودة السلطة الفلسطينية. منطق هذا الخيار، حسب التقرير، هو كسب الوقت وتفادي اتخاذ قرارات استراتيجية مصيرية في فترة قد تكون حساسة محلياً (مثل السنة الانتخابية)، على أمل أن يؤدي العبء الإنساني والسياسي لرعاية سكان غزة من دون موارد كافية إلى إرهاق «حماس»، وتآكل شرعيتها الداخلية.
ويحذِّر المحللان من أن هذا السيناريو ينطوي على أعلى المخاطر، لأنه يسمح لـ«حماس»، بإعادة بناء قدراتها العسكرية تحت غطاء الهدنة، ويفتح الباب أمام تدخُّل أطراف إقليمية معادية لملء الفراغ الحاكم، كما أنه يعرِّض إسرائيل لاتهامات دولية بمفاقمة الأزمة الإنسانية عمداً.
البديل الرابع: العودة إلى الحرب الشاملة «لنزع السلاح»
ووصف التقرير هذا الخيار بأنه «الطريقة الفعالة الوحيدة» لتحقيق الهدف الإسرائيلي الاستراتيجي المتمثل في تفكيك قدرات «حماس» العسكرية والأمنية بشكل شامل، وتدمير بنيتها التحتية من أنفاق ومصانع أسلحة عبر كامل قطاع غزة. يرى المحللان أن هذا السيناريو قد يصبح حتمياً في حال فشل جميع المسارات السياسية واستمرار الحكرة في رفض نزع السلاح.
ومع ذلك، فإن التقرير لا يغفل عن التكاليف الباهظة لهذا الخيار، والتي تتمثَّل في احتلال عسكري كامل للقطاع وتحمل إسرائيل للمسؤولية المدنية المباشرة عن حياة 2.3 مليون فلسطيني، مع ما يرافق ذلك من عبء اقتصادي هائل، وانقسام مجتمعي داخلي، وعزلة دولية محتملة، وتوتر في العلاقة مع الإدارة الأميركية، التي تفضل الحل السياسي.
وللتخفيف من هذه التكاليف، يقترح التقرير تصوير أي عملية عسكرية مستقبلية على أنها «عملية نزع سلاح موقتة ومحدودة الزمن»، وليس احتلالاً دائماً، مع وضع «إستراتيجية خروج» واضحة لنقل السلطة إلى الكيانات المدنية الدولية والفلسطينية فور انتهاء المرحلة القتالية.
المعضلات الاستراتيجية العميقة: ثوابت في معادلة متغيرة
وكشف التحليل عن عدد من التناقضات الهيكلية التي تشكِّل الإطار الحاكم لأي قرار مستقبلي، وتشمل التناقض الإسرائيلي - الأميركي، حيث يوجد صراع كامن بين الرغبة الإسرائيلية في تحقيق «عتبات أمنية مطلقة» قبل أي تقدم سياسي، وبين سعي واشنطن لتحقيق «انتصارات دبلوماسية سريعة» قابلة للعرض أمام الناخبين. هذا التناقض قد يجعل الشراكة الاستراتيجية مصدر توتر بدلاً من أن تكون مصدر قوة.
ومأزق نزع السلاح الزمني، حيث يشير التقرير إلى أن دراسات حالات نزع السلاح في مناطق صراع سابقة تظهر أن هذه العمليات، عندما تتم عبر التفاوض وليس بالإكراه العسكري، قد تستمر لسنوات عدة. هذا البُعد الزمني يصطدم مع الحاجة الإسرائيلية الملحَّة لضمانات أمنية فورية وحاسمة.
ومعضلة السلطة الفلسطينية أي الكيان المرفوض والبديل غير الموجود، إذ يسلط التقرير الضوء على المفارقة المحيطة بالسلطة الفلسطينية، فهي من ناحية توصف بأنها «ضعيفة وهيكلياً فاسدة» وتفتقر إلى الشرعية الشعبية الكافية، لكنها من ناحية أخرى تبقى «الخيار المؤسسي الوحيد» المقبول من قبل المجتمع الدولي والدول العربية المعتدلة القادرة على لعب دور في الإعمار والتمويل.
والتقسيم الإقليمي الوظيفي المُقترح، حيث يقدم التقرير نموذجاً لتقسيم الأدوار بين الفاعلين الإقليميين.
إستراتيجية هجينة
ويخلص التقرير إلى أن صانع القرار الإسرائيلي يقف أمام مفاضلة مصيرية بين اتجاهين رئيسيين لا ثالث لهما في المدى المنظور: فإما المضي قدماً في الخطة الدولية وقبول عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة حتى من دون استكمال الإصلاحات الشاملة، مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر أمنية، وإما العمل على إفشال الخطة الدولية والقبول بوجود حماس الدائم كقوة حاكمة وحاملة للسلاح في جزء من قطاع غزة، مع تحمل تبعات الاستقطاب الدولي واستمرار حالة اللاحرب واللاسلم والأزمة الإنسانية المزمنة.
وفي ضوء هذه التحليلات، يقدم المحللان جملة من التوصيات العملية التي تهدف إلى صياغة إستراتيجية إسرائيلية هجينة تتضمن:
- تبني خطاب «الإيجابية المشروطة» أي أن تظهر إسرائيل كطرف منخرط إيجابياً في الخطة الدولية، لتحصين موقفها القانوني والدبلوماسي، مع إلقاء عبء الإثبات والعقبات على الجانب الفلسطيني. يجب أن يكون التقدم في أي مسار مشروطاً بأداء ملموس وقابل للقياس على الأرض، وليس بتعهدات سياسية.
- فصل المسار الأمني عن المسار المدني بشكل تام: قبول إسرائيل بتشكيل هيئة إدارة مدنية (سواء لجنة تكنوقراطية أو سلطة محسَّنة) للإشراف على الحياة اليومية في غزة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حرية العمل العسكري والأمني الكامل والمستقل للجيش الإسرائيلي في مواجهة أي تهديد، على غرار النموذج المطبق في مناطق من الضفة الغربية.
- تحويل إعادة الإعمار إلى رافعة استراتيجية للضغط: التشديد على مبدأ أن إعادة الإعمار لن تبدأ في أي منطقة من غزة إلا بعد إكمال عملية نزع السلاح والتطهير الأمني فيها بشكل كامل وقطعي. يجعل هذا المبدأ من تحسين الظروف المعيشية أداةً لدفع السكان والقيادات المحلية للتعاون مع عملية نزع السلاح.
- الاحتفاظ بخيار «العودة إلى القتال» جاهزاً على الرف: الاستمرار في بناء الجاهزية القتالية واللوجستية والاستخباراتية لعملية عسكرية شاملة في غزة كخيار استراتيجي احتياطي، مع العمل الدؤوب على ضمان غطاء سياسي ودبلوماسي أميركي مسبق، وتصميم «آلية خروج» واضحة تسمح بالعودة إلى المسار السياسي بعد انتهاء المرحلة العسكرية.
ويختم التقرير بتذكير مفاده بأن المشهد في غزة ليس منعزلاً، وأن أي تطورات دراماتيكية على الجبهات الشمالية مع «حزب الله» أو في الضفة الغربية أو في الملف النووي الإيراني، قد تُعيد الأوضاع في القطاع إلى نقطة الصفر، وتدفع باتجاه الخيار العسكري الشامل رغماً عن كل الحسابات والتحليلات الاستراتيجية المعقدة.