إسرائيل تواصل عرقلة الحياة... من دون طعام وماء وكهرباء ودواء ولا أفق
الحرب على غزة تخفض المواليد بنسبة 41 في المئة وترفع وفيات الأمهات والرضع
في ظل هدنة هشة لم توقف نزيف الدم الفلسطيني، تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي حربها الشاملة على الشعب الفلسطيني على جبهتين متوازيتين: غزة التي تعيش إبادةً بطيئة تحت القصف والتجويع المنظم، والضفة الغربية التي تشهد تصعيداً ممنهجاً في عمليات الاقتحام والاعتقال والهدم.
يأتي هذا التصعيد متزامناً مع دخول «المرحلة الثانية» من وقف إطلاق النار، والتي لم تحمِ المدنيين ولا ممتلكاتهم، بل كشفت عن استراتيجية احتلالية تهدف إلى تعميق المعاناة وفرض واقع جديد لا يقبل الحياة الكريمة.
إبادة بطيئة تحت غطاء الهدنة
وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، الخميس، وصول شهيدين و5 إصابات إلى مستشفيات القطاع خلال الساعات الـ 24 ساعة الماضية، ليرتفع العدد التراكمي لضحايا العدوان منذ أكتوبر 2023 إلى 71441 شهيداً و171329 مصاباً.
ومنذ بدء وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي، بلغ عدد الضحايا 451 شهيداً و1251 إصابة، بينما لا يزال عشرات الضحايا تحت الركام في ظل عجز فرق الإنقاذ عن الوصول إليهم.
خروقات منهجية تستهدف الحياة ذاتها
ورغم إعلان المرحلة الثانية من الهدنة، سجَّلت قوات الاحتلال 1244 خرقاً للاتفاق خلال 95 يوماً، وفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي.
وتتوزع الخروقات على 402 جريمة إطلاق نار مباشر على المدنيين، و66 توغلاً للمدرعات في المناطق السكنية، و581 جريمة قصف للمنازل، و195 جريمة نسف وتدمير للمباني المدنية. وقد أدت هذه الانتهاكات إلى استشهاد 449 مواطناً وإصابة 1246 آخرين، بالإضافة إلى 50 اعتقالاً غير قانوني.
منع الولادة وتجويع الباقين
وكشفت تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية عن انخفاض بنسبة 41 في المئة في عدد المواليد خلال عام 2025 في غزة، مع ارتفاع حاد في وفيات الأمهات والإجهاض والولادات المبكرة. وخلصت إلى أن هذه النتائج تشير إلى «نية متعمدة لمنع الولادات بين الفلسطينيين»، وهو ما قد يصل إلى مستوى جرائم الإبادة الجماعية.
أما على صعيد المساعدات الإنسانية، فأدخل إلى القطاع 24611 شاحنة فقط من أصل 57000 شاحنة مُتفق عليها، أي بنسبة التزام لا تتجاوز 43 في المئة.
وقد منع الاحتلال إدخال المواد الغذائية الغنية، مكتفياً بمواد ذات قيمة غذائية متدنية، في سياسة وُصفت بـ«هندسة التجويع والتعطيش الممنهجة». وتفاقمت الأزمة مع منع إدخال خيام ومواد إيواء، مما أدى إلى انهيار عشرات المنازل المتضررة سابقاً وسقوط ضحايا جدد تحت الأنقاض، بينما خرجت 127 ألف خيمة عن الخدمة مع دخول موسم الشتاء.
تدمير ممنهج للبيئة والحضارة
وأفاد الدفاع المدني الفلسطيني بأن قوات الاحتلال هدَّمت أكثر من 2500 مبنى منذ بدء وقف إطلاق النار، منها أحياء سكنية كاملة في شرق غزة، بالإضافة إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والبيوت البلاستيكية.
وتساءلت عائشة عبدالرحمن، رئيسة جمعية أبناء الشهداء: «ما قيمة الهدنة إن كان يسمح بالقتل والتجويع والتشريد وتدمير البنية التحتية لمجتمع كان يُفترض أنه في حالة حرق»؟
حرب متعددة الأوجه
وفي الضفة الغربية المحتلة، هدمت قوات الاحتلال فجر الخميس منزل عائلة الشهيد عمران الأطرش في الخليل، بعد إخلاء قسري للعائلة وجيرانها. كما هُدمت منشأة تجارية في بيت لحم، وجُرِّفت كروم الزيتون في قلنديا بالقدس، في إطار سياسة العقاب الجماعي والتطهير العمراني.
وتشهد الضفة تصعيداً عسكرياً مكثفاً تمثل في اقتحامات متزامنة لمدن وقرى ومخيمات، من جنين إلى الخليل، مع إطلاق الرصاص الحي وقنابل الصوت واندلاع مواجهات. وطالت حملات الاعتقال 80 مواطناً على الأقل، بينهم وزير شؤون القدس أشرف الأعور، وأسرى محررون، ونساء، وأطفال.
وأشار نادي الأسير إلى أن الاعتقالات بعد حرب الإبادة بلغت نحو 21 ألف حالة، مع تنفيذ تحقيقات ميدانية مهينة تشمل إجبار العائلات على الخروج من منازلها وتخريب الممتلكات.
تهويد القدس وإنهاء وجود الأمم المتحدة
في القدس، تواصل سلطات الاحتلال أعمال توسعة ساحة البراق لاستيعاب أعداد أكبر من المستوطنين، على أنقاض حارة المغاربة المُهَدمة منذ 1967. وبالتوازي، تواصل اعتداءات المستوطنين على الأراضي الزراعية، مثل قطع أشجار الزيتون في قرى المغير وإماتين.
من جهة أخرى، حذرت وكالة «الأونروا» من «اقتراب نهاية وجودها» في القدس الشرقية، بعد اقتحام قوات الاحتلال مركز القدس الصحي التابع لها وإصدار أمر إغلاق بحقه، إلى جانب قطع إمدادات الكهرباء والمياه عن مرافق الوكالة. وأكدت الأمم المتحدة أن عمل «الأونروا» يستند إلى التزامات قانونية دولية واضحة، وأن استهدافها جزء من حملة لمنعها من تنفيذ ولايتها.
حرب الوجود
تُظهر الأحداث المتزامنة في غزة والضفة استراتيجية إسرائيلية موحَّدة تهدف إلى إضعاف المقومات الأساسية للوجود الفلسطيني، سواء عبر الإبادة البطيئة في غزة، أو التطهير العمراني والاعتقالات الواسعة في الضفة، أو تهويد القدس وإنهاء الوجود الدولي الرقابي. ورغم كل محاولات كسر الإرادة، يبقى الشعب الفلسطيني صامداً في وجه آلة حرب لا تفرق بين طفل ومسن، بين منزل ومستشفى، بين شجرة زيتون وجسم إنسان.