السيطرة الأميركية على النفط الفنزويلي... أي تأثير على أسواق الطاقة؟
- تمتلك فنزويلا ما يقارب 17 في المئة من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم... نحو 300 مليار برميل
- اجتماع البيت الأبيض أبرز الفجوة بين الطموح السياسي وواقع القطاع الخاص
- إعادة تأهيل قطاع النفط الفنزويلي مازالت مشروعاً طويل الأجل وليست حافزاً فورياً للهيمنة على الأسعار أو العرض
- لا تقتصر قوة «أوبك» على الجانب المادي فحسب بل تتعداه إلى الجانب السياسي
- قد يؤدي النفط الفنزويلي إلى تضخيم النفوذ الأميركي لكنه ليس زراً سحرياً للسيطرة الأحادية في نظام طاقة عالمي معقد ومتنازع عليه
مما لا شك فيه، أن التطور في فرض الولايات المتحدة سيطرة فعلية على احتياطيات النفط الفنزويلية الهائلة -الأكبر في العالم- له تداعيات عميقة على سياسات الطاقة العالمية، وعلى قوة منظمة «أوبك»، وعلى مستقبل هيكل العرض وتأثير الأسعار في أسواق النفط الدولية.
فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن «الولايات المتحدة ستسيطر على مبيعات النفط الفنزويلي الخاضع للعقوبات إلى أجل غير مسمى». ومع ذلك، فإن فكرة أن واشنطن تستطيع ببساطة تجاهل أوبك، والإنتاج بحسب رغبتها، وإملاء الأسعار العالمية، تتطلب توضيحاً دقيقاً.
300 مليار برميل
لكن سيتعين على ترامب قريباً التفاوض على شروط وتغييرات ملموسة في الإطار التجاري والقانوني الذي يحكم استثمارات النفط الأميركية في فنزويلا، إذا ما أريد لأي التزامات رأسمالية واسعة النطاق أن تتحقق.
تمتلك فنزويلا ما يقارب من 17 في المئة من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، والتي تُقدر بنحو 300 مليار برميل - أي أكثر من أي دولة أخرى. مع ذلك، وبعد أعوام من نقص الاستثمار والعقوبات، انهار إنتاج فنزويلا الفعلي من النفط إلى أقل من مليون برميل يومياً، أي أقل من 1 في المئة من الإمدادات العالمية، وهو أقل بكثير من ذروته التاريخية وأقل بكثير من طاقتها النظرية.
يُظهر هذا مفارقة جوهرية: فالإمكانات الخام للنفط الفنزويلي هائلة، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى إمدادات فعلية ملموسة لن يكون فورياً أو سهلاً.
في أعقاب العملية العسكرية الأميركية في يناير 2026 التي أدت إلى إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أعلن المسؤولون الأميركيون أنهم سيتحكمون في مبيعات النفط الفنزويلي، بدءاً بتوجيه المخزونات الخام الحالية إلى الأسواق العالمية وإدارة الصادرات المستقبلية عبر قنوات معتمدة من الولايات المتحدة.
وقد صوّرت الإدارة الأميركية هذا الإجراء، كوسيلة لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد الفنزويلي وضمان أن تخدم عائدات النفط المصالح الأميركية والفنزويلية.
نفوذ غير مسبوق!
عملياً، تضع هذه السياسة واشنطن، وللمرة الأولى، في موقع نفوذ غير مسبوق على دولة منتجة رئيسية للنفط، لطالما كانت عضواً في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك). وخلافاً لتدخل الولايات المتحدة السابق، الذي كان يتم في المقام الأول عبر الدبلوماسية والعقوبات، يسعى هذا النهج إلى السيطرة المباشرة على كيفية ووقت ومكان تسويق النفط الفنزويلي.
مع ذلك، فإن السيطرة على قنوات التسويق وتدفقات الإيرادات تختلف تماماً عن زيادة الإنتاج أو التأثير الأحادي على أسعار النفط العالمية.
في ذروة إنتاجها أواخر التسعينات، بلغ إنتاج فنزويلا ما بين 3.3 و 3.4 مليون برميل من النفط يومياً، وبلغ الإنتاج ذروته في فترة 1997 - 1998. أما الإنتاج الحالي فقد انخفض إلى أقل من مليون برميل يومياً نتيجة أعوام من نقص الاستثمار والعقوبات وتدهور البنية التحتية.
لقد عانى قطاع النفط الفنزويلي من إهمال طويل الأمد، ويتطلب إصلاح الحقول وخطوط الأنابيب والمصافي المتقادمة رؤوس أموال ضخمة. ويُقدّر المحللون أن استعادة الإنتاج إلى مستوياته السابقة تتطلب مليارات الدولارات وسنوات عدة من الاستثمار المتواصل من قِبل الشركات الأميركية وشركائها.
حتى التقييمات المتفائلة تُقرّ بأن تدهور البنية التحتية والمخاطر السياسية وبيئة العمل غير المستقرة تجعل هذه الاستثمارات معقدة وطويلة الأجل.
طبيعة النفط الخام الفنزويلي
ثمة قيد إضافي يُغفل عنه غالباً، وهو طبيعة النفط الخام الفنزويلي نفسه. فمعظم نفط فنزويلا ثقيل أو ثقيل جداً، ما يتطلب طاقة تكرير متخصصة لا تتوفر إلا في أسواق محددة، لاسيما في الولايات المتحدة وأجزاء من آسيا. وهذا يحدّ من سرعة ومرونة استيعاب براميل النفط الفنزويلي في الأسواق العالمية.
وحتى مع زيادة الإنتاج، فإن مرونة العرض لا تقتصر على استخراج النفط فحسب، بل تشمل أيضاً اختناقات التكرير. وهذا يُؤكد حقيقة أن النفط الفنزويلي أصل إستراتيجي ذو قيود هيكلية، وليس مصدراً يُمكن استغلاله كيفما نشاء.
وقد صرّح ترامب علناً بأن «الشركات الأميركية ستستثمر مليارات الدولارات لإعادة الإنتاج إلى أقصى مستوى له»، وقد سعى مستشاروه جاهدين لكسب ود شركات النفط الأميركية الكبرى بوعود بعوائد وضمانات أمنية. تختلف تقديرات المحللين حول الأرقام الدقيقة، لكن تشير تقديرات مستقلة إلى أن عشرات المليارات، وربما مئات المليارات من الدولارات، ستكون مطلوبة على مدى عقد أو أكثر لتحقيق الاستقرار في الإنتاج وتوسيعه.
وتشير بعض تقديرات شركات الاستشارات إلى أن تكلفة الحفاظ على المستويات الحالية تتجاوز 50 مليار دولار على مدى السنوات الـ 15 المقبلة، مع الحاجة إلى تمويل إضافي لزيادة الإنتاج، وذلك بحسب مستوى الإنتاج المستهدف.
وقد أبرز اجتماع في البيت الأبيض بين ترامب وكبار المسؤولين التنفيذيين في شركات النفط الأميركية الكبرى الفجوة بين الطموح السياسي وواقع القطاع الخاص. فقد دعا ترامب علناً إلى استثمار ما يصل إلى 100 مليار دولار من القطاع الخاص لإعادة بناء البنية التحتية المتهالكة للطاقة في فنزويلا وتوسيع الإنتاج في شكل كبير، واعداً قادة الصناعة بـ«الأمان التام» وإمكانية الوصول إلى النفط الخام الفنزويلي الخاضع للسيطرة الأميركية.
حذر شديد
ومع ذلك، فإن العديد من كبار المسؤولين التنفيذيين أبدوا حذراً شديداً. ووصف الرئيس التنفيذي لشركة «إكسون موبيل»، البيئة الفنزويلية الحالية بأنها «غير مواتية للاستثمار» من دون إصلاحات قانونية وتجارية جذرية.
وأشارت شركة «كونوكو فيليبس» إلى أن إعادة هيكلة نظام الطاقة بأكمله -بما في ذلك شركة النفط الحكومية PDVSA- ستكون ضرورية قبل تقديم أي التزامات جادة.
وأبدت «شيفرون» -شركة النفط الأميركية الكبرى الوحيدة العاملة حالياً في فنزويلا- اهتماماً أكبر، وترى إمكانية لزيادة الإنتاج بنسبة تصل إلى 50 في المئة خلال العامين المقبلين، لكن حتى هذا لا يرقى إلى مستوى الإصلاح الشامل للبنية التحتية الذي تصوره البيت الأبيض.
ويُبرز الموقف الحذر للقطاع العوائق الهيكلية أمام الاستثمار السريع، ويعزز الرأي القائل بأن إعادة تأهيل قطاع النفط الفنزويلي ما زالت مشروعاً طويل الأجل، وليست حافزاً فورياً للهيمنة على الأسعار أو العرض.
وقد أوضح المسؤولون التنفيذيون في قطاع النفط الأميركي أن الضمانات السياسية وحدها غير كافية لتحفيز الاستثمار واسع النطاق في فنزويلا. عندما يدعون إلى «تغييرات جوهرية ودائمة» في الإطار التجاري والقانوني، فإنهم يشيرون إلى أن فنزويلا، بوضعها الحالي، ما زالت خارج دائرة المفاوضات.
يشمل هذا المطلب ضمانات قابلة للتنفيذ في شأن حقوق الملكية وقدسية العقود، وإصلاحاً جذرياً لقانون المحروقات للسماح بالسيطرة التشغيلية الأجنبية وإعادة الأرباح إلى الوطن، وحماية موثوقة ضد المصادرة أو إعادة التفاوض الأحادية في المستقبل.
كما يتضمن آليات خارجية لحل النزاعات خارج نطاق المحاكم الفنزويلية المسيسة، وحماية من رفع العقوبات نتيجة لتغيرات السياسة الأميركية.
عملياً، تشير هذه الشروط إلى إعادة هيكلة جوهرية لشركة النفط الفنزويلية (PDVSA) وإعادة تعريف سيادة الدولة على المحروقات. رسالة القطاع واضحة لا لبس فيها: قد تفتح القوة السياسية الأميركية الباب، ولكن من دون تغيير مؤسسي طويل الأمد وملزم قانوناً، لن تتدفق عشرات المليارات من الدولارات من رؤوس الأموال الخاصة.
يؤكد هذا أن الجهود الأميركية هي في جوهرها مشروع طويل الأمد، وليست آلية سريعة للتلاعب بالأسعار. لن يظهر أي نفوذ مستدام على الإمدادات العالمية إلا تدريجياً، من خلال استثمارات طويلة الأمد وعالية التكلفة، وتدخلات هيكلية عميقة يُرجح أن تمتد عبر إدارات أميركية عدة. وهذا يُضيف مخاطر سياسية: فلا يُمكن افتراض استمرارية السياسة في نظام قد تُؤدي فيه تغييرات الإدارة، أو معارضة الكونغرس، أو الطعون القانونية، أو حتى استياء الرأي العام من التورط في الشؤون الخارجية، إلى تعطيل الالتزامات طويلة الأجل.
«أوبك» وضبط الإنتاج
مع ذلك، حتى لو زاد الإنتاج بمرور الوقت، فإن تأثيره على الأسعار سيظل مُرتبطاً بديناميكيات السوق الأوسع. فأسواق النفط العالمية الحديثة مُترابطة في شكل وثيق، وتتأثر بمجموعة كبيرة من المُنتجين خارج فنزويلا. وتُساهم السعودية وروسيا والولايات المتحدة وكندا والبرازيل وغيرها مجتمعةً بالغالبية العظمى من الإمدادات اليومية. وتبقى «أوبك» قوة تنسيقية مؤثرة، لأن أعضاءها يُساهمون بنحو 40 في المئة من الإنتاج العالمي، وغالباً ما يعملون معاً لضبط الإنتاج.
في هذا السياق، فإن فكرة أن الولايات المتحدة يُمكنها ببساطة إنتاج النفط الفنزويلي متى شاءت، وإجبار «أوبك» على التهميش، تُسيء فهم اقتصاديات إنتاج النفط، وآليات عمل الأسواق العالمية.
تحتفظ الدول المنتجة الكبرى، بطاقة إنتاجية فائضة كبيرة، ما يُمكّنها من خفض أو زيادة الإنتاج لموازنة العرض الجديد. علاوة على ذلك، لا تقتصر قوة «أوبك» على الجانب المادي فحسب، بل تتعداه إلى الجانب السياسي. فالتنسيق في الإشارات ودبلوماسية الحصص والتحالف مع شركاء أوبك+، مثل روسيا، يسمح للمنظمة بالتأثير على التوقعات والأسعار حتى قبل وصول النفط فعلياً.
فإذا ارتفعت الصادرات الفنزويلية في شكل حاد خارج نطاق سيطرة المنظمة، فمن المرجح أن تستجيب أوبك إستراتيجياً بدلاً من الاستجابة السلبية.
وهذا يقودنا إلى حقيقة دقيقة: لا تحتاج الولايات المتحدة إلى فرض أسعار النفط للتأثير على السوق؛ يكفيها أن تكون طرفاً مؤثراً تُؤخذ خياراتها السياسية في الاعتبار. فزيادة الإنتاج الفنزويلي تحت إشراف الولايات المتحدة قد تُساهم في زيادة العرض العالمي، وتُؤدي إلى ضغط نزولي على الأسعار إذا لم يتراجع المنتجون الآخرون استجابةً لذلك. لكن هذا سيظل نتيجة لتفاعلات السوق، وليس لتحديد الأسعار في شكل أحادي. فسوق النفط لا يخضع لسيطرة مركزية؛ إذ ينشأ توازن الأسعار من السلوك الجماعي للمنتجين والمستهلكين والتوقعات.
لا يوجد حاكم مركزي لسوق النفط؛ فتوازن الأسعار ينشأ من السلوك الجماعي للمنتجين والمستهلكين والتوقعات. لا يقتصر المنطق الإستراتيجي الأوسع الذي يقوم عليه النهج الأميركي على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل يشمل أيضاً التموضع الجيو- سياسي.
فمن خلال السيطرة على مبيعات النفط الفنزويلي وتوجيه عائداته وإشراك شركات النفط الأميركية في إعادة بناء الإنتاج، تسعى واشنطن إلى الحد من نفوذ منافسيها مثل الصين وروسيا وإيران، الذين عززوا جميعاً علاقاتهم في مجال الطاقة مع كراكاس خلال العقود الأخيرة. وقد يُسهم بيع النفط الفنزويلي في شكل تفضيلي للأسواق الغربية، بما فيها أوروبا، في تعزيز الروابط السياسية وتقليل اعتماد أوروبا على مصادر أخرى تُعتبر إشكالية من الناحية الجيو- سياسية.
قوى العرض والطلب العالمية
ومع ذلك، يبقى هذا النفوذ متبادلاً ومشروطاً: ففي الدول الأوروبية سيظل المستهلكون يدفعون أسعاراً تحددها قوى العرض والطلب العالمية، لا قرارات الولايات المتحدة.
ومن الأبعاد الأخرى التي تُشكّل هذه الإستراتيجية التحول الطاقي نفسه. فالاستثمار طويل الأجل في النفط يتطور الآن تحت ضغط متزايد من سياسات المناخ، وقيود الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، وعدم اليقين في شأن الطلب المستقبلي. وحتى لو كانت الولايات المتحدة مستعدة للالتزام سياسياً بالنفط الفنزويلي، فقد يتردد رأس المال الخاص إذا كانت العوائد طويلة الأجل غير واضحة. وهذا يُضيف طبقة أخرى من عدم اليقين إلى أي محاولة لبناء نفوذ دائم من خلال المحروقات وحدها.
في نهاية المطاف، يمنح التحكم في احتياطيات النفط الفنزويلية الولايات المتحدة نفوذاً -وهو أصل إستراتيجي طويل الأجل- ولكنه لا يمنحها سيطرة مطلقة على أسواق الطاقة العالمية. فإذا نجحت الشركات الأميركية في استعادة الإنتاج الفنزويلي، فقد يتغير ميزان العرض تدريجياً، مما قد يُعقّد إستراتيجية التنسيق لمنظمة «أوبك». لكن هذا التحول يتطلب استثماراً مستداماً، وحوكمة مستقرة، وظروف سوق مواتية، وكلها أمور مازالت غير مؤكدة وعرضة لتحركات مضادة من قِبل منتجين آخرين.
قد يؤدي النفط الفنزويلي إلى تضخيم النفوذ الأميركي، لكنه ليس زراً سحرياً للسيطرة الأحادية في نظام طاقة عالمي معقد ومتنازع عليه.