اليمن... من فرص ضائعة إلى أزمة مفتوحة

تصغير
تكبير

تجربتي في اليمن ما بين عامي 2004-2007 سفيراً هناك أكسبتني معرفة جيدة إلى حد ما بالواقع اليمني في ظل وضع مهم هادئ نسبياً، باستثناء حروب الرئيس علي عبدالله صالح، الست مع جماعة الحوثيين... وبالرغم من ذلك، ظل اليمن بلداً قابلاً للحياة محتفظاً بنوع من التماسك الاجتماعي...

كثيراً ما كانت تترد عبارات مثل «الإيمان يمان والحكمة يمانية»، مع إقرار اليمنيين أنفسهم أنها تصف تاريخهم أكثر من حاضرهم... كان يتباهى الرئيس صالح، بأنه «يرقص على رؤوس الأفاعي» أي قدرته على المناورة بين القوى المتصارعة... لكنها في النهاية لدغته وأودت بحياته.

صُنّف اليمنُ جغرافياً بأنه خاصرة الخليج والجزيرة العربية والعمق الإستراتيجي. حكمه الرئيس صالح لثلاث وثلاثين عاماً استطاع خلالها من توحيد شطريه عام 1990... واستطاع إخماد الانفصال عام 1994... لكنه بعد ذلك أخفق في الاستجابة لمتطلبات الشعب اليمني لا سيما الجنوبيين في العديد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والتنموية، ومن هنا لا يمكن إنكار مشروعية المطالب الجنوبية لكنها مطالب لا يمكن ترجمتها اليوم في ظل حرب مفتوحة ومساع إقليمية ودولية لإعادة الشرعية. وفي ظل مخاوف أمنية مشروعة من تفكك اليمن إلى دويلات تكون عبئاً أمنياً وإستراتيجياً على المنطقة.

ما وصل اليه اليمن اليوم لم يكن وليد الصدفة، ولكنه أمر متوقع في ظل سياسات داخلية عقيمة لم تستوعب المتغيرات والتطورات العالمية المتسارعة، إضافة إلى إنه لم يكن بمقدور الحوثيين السيطرة على اليمن لو لم يكن هناك غياب لآلية استشعار البعد الإستراتيجي لهذا التطور!

المكون الحوثي مكون سياسي يمني بالدرجة الأولى - لكنه استثمر من قبل قوى خارجية معروفة للهيمنة والسيطرة على المكونات الاجتماعية اليمنية الأخرى بسبب الظروف الاقتصادية التي عانى ويعاني منها الشعب اليمني... كان بالإمكان في مرحلة مبكرة إطلاق مشروع تنموي خليجي شامل لليمن يرفع مستواه الاقتصادي ويحد من هشاشة الدولة ويستثمر في كتلته البشرية كما كان بالإمكان دمج اليمن تدريجياً في منظومة مجلس التعاون والاستفادة من العنصر البشري اليمني بوصفه عنصراً قريباً من المجتمعات الخليجية بدلاً من الاعتماد المفرط على عمالة وافدة بعيدة عنا ثقافياً واجتماعياً.

اليوم نحن في أزمة تتطلب جهوداً كبيرة لرأب الصدع. ولا بد من الإقرار بأن تعاملنا الخليجي مع الملفات الإقليمية يغلب عليه ردود الفعل لا الفعل نفسه، وعلى إدارة الأزمات لا منع الأزمات، وهذا يتطلب توحيد الرؤى والسياسات وإيجاد غرف عمل من خبراء سياسيين وإستراتيجيين يستقرئون ويقيّمون التطورات وارتداداتها السلبية والإيجابية.

إلى ذلك، لا بد أن تكون قرارات مجلس التعاون ملزمة وذات آلية لفض النزاعات وسياسات خارجية موحدة مع قرار جماعي حقيقي.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي