يقول العلماء إن للوراثة والجينات الموروثة دوراً في انتقال المهارات من الإنسان لابنه وابنته حتى لو أن الوالد لم يلتقِ ولدَه، أي توفي قبل مولد ولده أو افترق عنه، فربما يرث الولد من أبيه وأمه حب القراءة والكتابة إن ملك استعداداً لذلك. وفي الجانب الآخر المكتسب نعلم جميعاً أن لحياة الإنسان مع أبيه، أو أمه، أو كليهما دور في التأثير على ولدهما دون تعمد ذلك، حيث عامل التنشئة وعنصر الاكتساب يلعب دوره، لكننا نتساءل: إن مَلَكَ الإنسانُ الاستعدادَ لممارسة فن القراءة والكتابة والإبداع فيهما فمن الطبيعي أن يكون له ذلك، ولكن إن لم يكن يملك الاستعداد فكيف يصبح كاتباً؟ العجيب حقاً أن ينجرف بعض ممن لا يملكون الاستعداد الفني للكتابة فيتجهون نحوها دون إدراكٍ لعمق ذلك البحر الذي دخلوا شاطئه!
إن الكتابة فكرة حرة في مخيلة صاحبها، يشرق معها في لحظة تماس نادرة، تحول الكلمات إلى صورة، وتجعل من الحلم حقيقة، ناهيك عن أن الكتابة نتاج جهد بالغ في ميدان القراءة والاطلاع والمدارسة، وليس مجرد مسكة للقلم! تسبق الكتابةَ تساؤلاتٌ ومصاحباتٌ وجلساتٌ وممارسات تخلُصُ إلى تجاربَ حقيقية في الحياة، يأخذُ بها صاحبها فيقطف ثمارَ الخبرات، لتأتي الكتابة بعد تملك مهارة التعبير وحسن الإعلان عن المضمون. ولست بالذي ينادي بقيود توضع أمام من أراد أن يعبر، بل نريد أن يكون كل إنسان في مكانه المناسب، وهناك من عرف قيمة ما بين يديه من ميراث فكري ومادي وجعل نفسه محلَّ الارتقاء بتعلم كل ما هو مفيد وضرب مثلاً واضحاً في تبني الأقلام النبيلة وأصحاب المواهب، فتحيةً لهؤلاء، وتحيةً لكل جندي مجهول يعمل في الصحف والمجلات وفي مطابع الكتب ويُعيدُ صِياغةَ مقالاتٍ وعباراتٍ وكلماتٍ ربما لم تكن تصلح للقراءة والنشر ولكن هؤلاء الجنود المجهولين بعثوا الحياة من جديد في كتابات ميتة، فلله في خلقه شؤون.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]