وسط سياسة التسهيل النقدي التي يتبعها رئيسه نحو خفض الفائدة

هل يزيد «الفيدرالي» بريق الذهب... أم يوقف مسيرة صعوده؟

تصغير
تكبير

يهيمن الذهب على أخبار الأسواق حالياً، حيث يقترب المعدن الثمين من أعلى مستوياته التاريخية بعد فترة طويلة من الاستقرار.

وارتفعت العقود الآجلة للذهب 36 % منذ بداية العام، متفوقةً بشكل كبير على مؤشر ستاندرد آند بورز 500 أو حتى عملة بيتكوين، اللذين ارتفعا 8 % و19 % على التوالي، خلال الفترة نفسها.

وارتفع سعر الذهب بأكثر من 3.5 % في أغسطس، مواصلاً سلسلة مكاسبه الشهرية لهذا العام، فيما كرر بنك «يو بي إس» اليوم توقعاته بوصول سعر الأونصة إلى 3700 دولار بحلول يونيو 2026، مشيراً إلى أنه لا يمكن استبعاد ارتفاعه إلى 4000 دولار «في ظل سيناريو محفوف بالمخاطر تتدهور فيه الظروف الجيوسياسية أو الاقتصادية».

ومع ذلك، يحذر المحلل المالي جوزيبي ديلموتا في مقال له على موقع (إنفستينغ لايف) من أن الارتفاع الأخير الذي بدأ يوم الجمعة قد يكون موقتاً، لهذا السبب، ينصح بعدم الاستعجال في شراء الذهب قبل صدور البيانات الاقتصادية الأميركية.

ورغم ذلك، يرى ديلموتا أن هذا الارتفاع هو فرصة ممتازة لمناقشة العوامل التي تدفع أسعار الذهب نحو الصعود، مشيراً إلى أن الارتفاع الكبير في الأسعار، الذي كسر نطاقاً سعرياً استمر لـ4 أشهر، كان مدفوعاً بشكل أساسي بالسياسة النقدية المتساهلة التي اتبعها رئيس مجلس الاحتياطي الأميركي «الفيدرالي»، جيروم باول، وأضاف المحلل أن هذه الخطوة تُعتبر «خبراً سيئاً» للأسواق، لأنها تعني أن البنك المركزي يتبنى سياسة تيسيرية (تساعد على زيادة المعروض النقدي) في ظل اقتصاد قوي وتضخم متزايد.

وعادةً ما يُعزز انخفاض أسعار الفائدة أسعار الذهب، إذ يصبح المعدن أكثر جاذبية عندما تنخفض عوائد الأصول ذات الفائدة، ما يدفع المستثمرين للبحث عن أصول بديلة مثل الذهب، وهذا يؤدي إلى ارتفاع سعره.

وعلى العكس، عندما ترتفع العوائد الحقيقية، يصبح الاستثمار في السندات أكثر ربحية، ما يقلل من جاذبية الذهب ويؤدي إلى انخفاض سعره.

وفي 2022، بدأ «الفيدرالي» رفع أسعار الفائدة مع التمسك بسياسة نقدية متشددة، ما أدى إلى انخفاض مستمر في أسعار الذهب طوال معظم العام. وبحلول نهاية 2022، بلغت توقعات التشديد ذروتها، لكن تقرير التضخم الأميركي الذي جاء دون التوقعات دفع الأسواق إلى توقع سياسة أقل تشدداً من الفيدرالي.

وأثار هذا التحوّل ارتفاعاً أولياً في أسعار الذهب امتد حتى صيف 2023، قبل أن تؤدي بيانات اقتصادية متشددة وتعليقات من «الفيدرالي» إلى تصحيح هبوطي في النصف الثاني من العام. لاحقاً، فتح حاكم «الفيدرالي» كريستوفر والر الباب أمام خفض الفائدة، ليتبنى «الفيدرالي» في النهاية سياسة نقدية متساهلة.

ومنذ ذلك الحين، واصل الذهب ارتفاعه، مدعوماً بتوقعات متزايدة بخفض الفائدة. لكن إعادة التسعير المتشدد لهذه التوقعات أدت إلى هبوط موقت، كما حدث في نوفمبر 2024 عقب فوز دونالد ترامب بالانتخابات، حيث توقعت الأسواق سياسة أقل تساهلاً من الفيدرالي.

وتبرز المشكلة في أن سياسات ترامب التي تبناها كانت تُعتبر من قبل الأسواق محفزة للتضخم الركودي. وأدت الحرب التجارية والتخفيضات الضريبية إلى توقعات بتضخم أعلى مع نمو أقل. بلغ ذلك ذروته في «يوم التحرير» عندما كشف ترامب عن معدلات تعريفات أكثر عدوانية مما كان متوقعاً، مما أدى إلى ارتفاع هائل في أسعار الذهب.

ولحُسن الحظ، عكس ترامب تعريفاته العدوانية، وأدى التراجع إلى تحسن الظروف الاقتصادية. وأصبح «الفيدرالي» أقل تصالحاً بسبب تهديد التضخم، وبالتالي علق الذهب في نطاق محدود بانتظار الاتجاه التالي.

ومن الواضح أن الظروف الاقتصادية بدأت تتحسّن، مع تراجع أزمة التعريفات التجارية. وتظهر البيانات، مثل مؤشر مديري المشتريات وتقديرات بنك أتلانتا للناتج المحلي الإجمالي، أن خطر التضخم أصبح أعلى بكثير من خطر الركود.

ورغم ذلك، يرغب «الفيدرالي» في خفض أسعار الفائدة. وأدى هذا الموقف المرن من «الفيدرالي» إلى انخفاض العوائد الحقيقية أخيراً، ما دعم أسعار الذهب. ومن المتوقع أن يستمر هذا الدعم ما لم يتغير موقف «الفيدرالي» إلى رفع الفائدة، وهو أمر مستبعد حالياً.

ويرى المحللون أن «الفيدرالي» قد يرتكب خطأ سياسياً جديداً، قد يؤدي إلى بقاء التضخم مرتفعاً لفترة أطول ويهدد استقرار التوقعات الاقتصادية، مما قد يستدعي حدوث ركود مؤلم في المستقبل لإصلاح الوضع.

التحدي الثاني الذي يواجهه «الفيدرالي» هو الهجمات المستمرة على استقلاليته من قبل إدارة ترامب. ففي الأسبوع الماضي، صرّح نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، في مقابلة مع «يو إس إيه توداي» بمعارضتهم الواضحة لاستقلالية البنك، إضافة إلى ذلك، يحاول ترامب اختبار مدى سلطته في إقالة حكام «الفيدرالي» من خلال حالة الحاكمة ليزا كوك. كل هذه الأمور تُعتبر «ضوضاء» في الوقت الحالي، لأن الكونغرس الأميركي الوحيد الذي يمتلك صلاحية تقليل أو إلغاء استقلالية «الفيدرالي»، وهو أمر مستبعد الحدوث.

ومع ذلك، يرى المحللون أن هذا يُشكّل خطراً (وكبير جداً) يجب مراقبته، لأن العواقب الاقتصادية والمالية ستكون هائلة. وفي مثل هذا السيناريو، سيكون الذهب أفضل أصل يمكن امتلاكه، وسوف نشهد على الأرجح ارتفاعاً هائلاً في الأسعار يحدث مرة واحدة في العمر، كما يقول المحلل ديلموتا.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي