من الخميس إلى الخميس

الطبيب المتقاعد

تصغير
تكبير

يتقاعد الطبيب سريرياً في ثلاث حالات، الأولى إذا قرّر أن يتجه إلى العمل الإداري والثانية إذا ما تقاعد عن العمل الحكومي ولم يستمر بالقطاع الخاص، أما الثالثة فهي موضوع هذا المقال.

كل أشكال التقاعد لابد أن تجعل الطبيب المتقاعد يقرّ ويعترف بأنه معالج غير مناسب، وعليه أن يترك الفتوى في الأمور الصحية إذا أراد أن ينفع الناس، الطب ليس مجالاً جامداً بل هو علم متطور يحتاج إلى خبرات متراكمة واطلاع شبه يومي للبحوث والدراسات ناهيك عن المشاركة في هذه الدراسات.

في الماضي كانت ترقية الطبيب في الكويت مرهونة بقدرته على البحث العلمي، أما اليوم فكثير من الأطباء نالوا درجة استشاري وأبحاثهم تُعدُّ على أصابع اليد الواحدة، وقد يكون منهم من لم يُنشر له بحث واحد، هؤلاء هم الصنف الثالث من المتقاعدين.

تقاعدوا عن الاطلاع والبحث فأصبحوا جامدين ثابتين في مسار يتحرك سريعاً، من هنا أصبح التوجه العالمي اليوم هو منح شهادات الأطباء بصورة موقتة وعليه أن يجدد هذا الترخيص كل فترة، فترة زمنية تحددها الجهة المانحة.

النوع الثالث من الأطباء المتقاعدين هو أخطرهم على المريض فهو طبيب عامل وليس إدارياً ولكنه بعيد عن مسار البحث والاطلاع، فهو متقاعد علمياً لا يفيد المريض إلا بقدر ما يملكه من معلومات سابقة، معلومات تطورت وربما تغيرت وهو بعيد عنها.

حتى يتقدم العمل الطبي لدينا لا بد من إقناع الأطباء بأهمية الاطلاع والبحث العلمي، وحتى يقتنع الأطباء بالبحث العلمي لا بد أن نوفر لهم أجواء البحث العلمي، أي باحث يحتاج إلى مكتبة علمية، قديماً كانت مكتبة ورقية واليوم مكتبة رقمية ذات تواصل بالمواقع العلمية الدولية، هذه المكتبة لا بد أن يقودها متخصص لديه القدرة على إمداد الأطباء بما يحتاجونه من دراسات ومجلات علمية وكتب ذات صلة ببحثهم، السؤال الأول، هل لدينا هذه المكتبات في مستشفياتنا ومراكزنا؟

البحث العلمي يحتاج إلى مساعدين وربما أجهزة ومعدات وهذا كله يحتاج دعماً مادياً لا تُقدمه وزارة الصحة فيحتاج الطبيب إلى جهات خارجية، جهات التنافس عليها أعلى من قدراتها، السؤال الثاني، هل تملك وزارة الصحة ميزانية للبحوث تعادل مطالبتها للأطباء بتقديم البحوث؟

البحث العلمي يحتاج إلى تفهم من رؤساء الأقسام ليسهّلوا للباحث عمله ومساعدته للحصول على الموافقات اللازمة، ويحتاج أيضاً إلى سهولة في التواصل العلمي وحضور المؤتمرات للأطباء الشباب بدل أولئك الذين يحضرون المؤتمرات للسياحة، السؤال الثالث هل لدينا نظام جاد للتعليم المستمر ونظام التغذية الراجعة للمؤتمرات وورشات العمل، لا سيما تلك الورش التي تُعلّم وتُدرّب على البحث العلمي، وأخيراً هل يتم تقييم ترقية الأطباء بناء على ذلك كله دون محاباة؟

إذا أردنا أن نقلل من الأطباء المتقاعدين أثناء العمل، وأن نطور أداء أطبائنا فعلينا أن نقترب من أطبائنا الشباب ونحقق لهم منهج التعليم المستمر والبحث العلمي ونقيسهم جميعاً بمقياس الالتزام والجهد والتطور العلمي، عند ذلك فقط ننجح في دفع أطبائنا إلى مستويات عالمية بدل تلك الأرقام المتواضعة التي تبث الحزن فينا، فنحن في الكويت ننشر ما يقارب 58 بحثاً طبياً لكل 100 ألف نسمة من السكان في السنة، أما في الكيان الإسرائيلي فهم ينشرون 390 بحثاً طبياً لكل 100 ألف نسمة في السنة، بعيداً عن سياسة الأرقام التي تكشف واقعنا جميعاً.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي