من الخميس إلى الخميس

مَن سيحسم الصراع؟

تصغير
تكبير

نحن في عصر سيطرة الآلة، معظم الناس العاديين اليوم يحملون هاتف التصوير المرتبط بالشبكة العنكبوتية، ومعظم الأماكن عليها كاميرات ترى وتسمع، فهم يحيطون بك في كل مكان، يعدّون عليك أنفاسك، ويسجلون حركاتك، لن تكون وحيداً بعد اليوم، لن تتمتع بحرية جسدك ولن تقفز في الهواء فرحاً حين تشعر بالحاجة إلى الطيران، تم تقييد خلاياك داخل بدنك.

إذا غضبت من تصرف شابٍ أحمق فتجنب ردة الفعل فربما ترى نفسك غداً في وسائل التواصل الاجتماعي محطّاً للأنظار، هكذا تمّ سجن بدنك وانفعالاتك.

أما عقلك فسيتم إيقافه أيضاً، كل معلومة ستغدو متوافرة لكل العقول، لم يعد هناك فرق بين الناس، تساوت العقول، هل تريد رسالة دكتوراه؟ يمكنك بضغطة زر كتابتها مع المراجع، غداً ستحلّ الآلة محل العقول وربما تضمر عقولنا من قلة الاستخدام، إذا أردت حفظ القرآن وقراءته فما عليك سوى أن ترتدي عدسة لاصقة لا أحد يراها، فتقرأ ما تريد وترى كل التفاسير أمامك، لا فرق في التخزين بين العقل والعين، كل العلوم ستراها أمامك، حتى في مجال الطب، ستُحلل من خلال عدستك اللاصقة شكوى المريض وتصل إلى التشخيص والعلاج، تم تعطيل عقلك.

غداً سيكتمل ثالوث التعطيل، سيختفي الأدب والإبداع، هل تريد شِعراً على نمط المتنبي أو أبو تمام أو أحمد شوقي أو فهد العسكر، اطلب من الذكاء الاصطناعي كتابة القصيدة لك، فقط زوّده بالموضوع وعدد أبيات القصيدة وسيكتب لك قصيدة تُبهر السامعين، إذا أردت أن تكون كاتب قصة قصيرة أو طويلة فليس مهماً موهبتك أو كمية ما قرأته من قبل فالذكاء الاصطناعي في خدمتك، إن حلِمْتَ أن تُنافس السنباطي أو أحمد باقر، فما عليك سوى الطلب من الذكاء الاصطناعي تلحين أبيات غنائية طلبتَها أنت منه، والأفضل أن تختار له المقام، نهاوند، حجازي، صبا، وتمتّع بألحانك الجميلة.

مع السنين سيتوقف المبدعون عن الإبداع لحساب ذلك الذكاء الاصطناعي وسيتم تعطيل الإبداع في جميع المجالات، سينتهي اللاوعي البشري الذي هو مخزون لا متناهي للعقل، ذلك المخزون الذي هو عصارة العِلم والتجارب والإبداع، ذلك المخزون الذي أسعدنا بإبداعات بشرية منذ أن وطأت أقدام الإنسان هذه الأرض، هل ينتهي ذلك العهد ونصبح في عالم المادة الخالصة كما تنبأ بها (كارل ماركس) في القرن التاسع عشر، أم يُقاوم الإنسان ويحافظ على مخزونه العقلي، وأصالة أفكاره ويُصبح الوعي سابقاً للمادة كما أقرّها فلاسفة العصر القديم ومنهم (محمد بن رشد ) ولاحقاً (جورج هيغل)؟

العقود المقبلة ستحسم الصراع القديم، ولن يفوز إلا من وازن بين حاجيات الإنسان الثلاثة، عقله وخياله وجسده، ولن تجد أفضل من قيم الإسلام لحسم الصراع لصالح الإنسان.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي