تسوّل بلا رقابة

تصغير
تكبير

في بلدٍ يفتخر بالنظافة أكثر مما يعتني بها، نرى عامل النظافة يجوب الشوارع صباحاً بمكنسته، ثم يعود مساءً للشوارع ذاتها، ولكن هذه المرة بلا مكنسة. بدلاً من تنظيف الأرصفة، بات يقف عليها ليبيع «الابتسامة الاحترافية».

هؤلاء العمال لهم حقوق، ولكن تركهم بين مطرقة الحاجة وسندان القوانين. بعد منحهم إذناً بالعمل بعد الدوام الرسمي، بمثابة: «أكمل يومك، ولكن بطريقتك». وهكذا، تحول الكنّاس إلى بائع متجول، والمتجول إلى متسول، والتسول إلى ظاهرة.

... ما يحصل كله تحت (النظر)، والشوارع تضج بالفوضى. أما المواطن، فهو الحائر بين العطاء خوفاً من الإثم أو الإعراض خوفاً من الجريمة. الخطر هنا ليس فقط في أن تتسع دائرة الفوضى، بل في أن تصبح هذه الفوضى قاعدة، لا استثناء.

في يوم من الأيام، كان البائع البريء على الرصيف واجهة أخرى للمأساة. وحين جاء الغزو، اكتشفنا أن بعض هؤلاء الباعة كانوا عيوناً تتلصص على أبناء البلد. واليوم، إذ حل التراخي واللامبالاة، هل نحن بصدد استنساخ السيناريو ذاته؟ وهل يمكن أن تتحول الأرصفة إلى بؤرٍ للتهديد الأمني، بحجة «البحث عن الرزق»؟

لا أحد ينكر أن لعامل النظافة الحق في تحسين دخله، ولكن هذا الحق لا يمكن أن يُترك بلا ضوابط. هنا يأتي دور «المعنيين»، ليس بالقمع، بل بخلق حلولٍ جذرية تضمن العيش الكريم لهؤلاء العمال دون أن يصبح الشارع مسرحاً لدراما أخرى من الإهمال.

الحلول قد تبدأ بتوفير فرص عمل إضافية منتظمة داخل إطار رسمي، وتنظيم أعمالهم بما يحقق التوازن بين الحاجة الشخصية وأمن المجتمع.

إنّ كرامة عامل النظافة جزء من كرامة الإنسان. فلا تتركوا الشوارع للفوضى، ولا تتركوا العامل للضياع. بين المكانس والأرزاق، هناك طريقٌ للحل، لكنه يحتاج إلى من يجرؤ على تنظيفه.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي