علي سويدان / العربية... في دمائهم

تصغير
تكبير
قد يكون من الإجحاف أن نصف دور الآخرين أنه دور ثانوي بإضفاء جملة من التمجيد والتلميع لأنفسنا ولجانب انتقيناه من تاريخنا الكبير، متنكبينَ جهود مَنْ نختلف معهم في الدين أو الفكر، ومحتكرين الولاء والإخلاص للأمة في دائرة ضيقة نسبناها لأنفسنا بأنانية مُفرطة. أمامنا شريحة ليست بالقليلة قدمت الكثير الكثير لتراثنا العربي، وسجَّلت على الأرض أعمالاً عجز آخرون عن القيام بها، لقد كان لهؤلاء المجتهدين الأثر الأوضح في ثقافة الأمة وصياغة شخصيات أبنائها وتركوا وسيتركون لنا أعمالاً تترجم الفكر وتلامس الوجدان، وإنه من الخجل بمحل أن نُضيِّق دائرة الحديث عن تلك الشريحة في هذه السطور ولكن ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك جلُّه، «غنَّيتُ مكةَ...» قصيدة كتبها سعيد عقل وهو شاعر لبناني معروف، ولَحَّنها الأخوان رحباني، وغنَّتها فيروز بأداء فريد، وبتقاسيم فائقة في الإبداع ترسم لوحة إنسانية امتزجت فيها مشاعر الصدق بحقيقة التواصل مع الآخر بثوب من الروعة في الكلمة واللحن والأداء، هذا الثالوث من المؤلف والملحن والمغني لم يكن ثالوثاً مسلماً وقد تسامى أداؤه إلى أبعد من أن يُعرفَ أنه مسيحيّ، ليرسم بتجرُّدٍ لوحةً مكِّيةً خالدة للعرب جميعاً مسلمين ومسيحيين، إن تجرُّدنا من قيود وضعناها بأنفسنا على أنفسنا تُتيح لنا أن ننطلق نحو الإبداع والأداء الخالد من جيل إلى آخر، وعلى النقيض من ذلك فإن استسلامنا لتلك القيود التي صنعناها بأنفسنا ولم يُلزمنا بها الدين أو العرف! ستصيرُ بنا وبأعمالِنا التي غلب عليها الانحياز المقيت إلى الاندثار والفناء؛ الحديث عن نتاج مميَّز مثل نتاج فيروز والكوكبة التي تواصلت معها في مسيرة العطاء بِمَشاهد رفعت فيها الستار عن جماليات الأداء يصوِّر لنا رحلةً ذهبية من تلك اللوحة المكيَّة الخالدة «غنَّيتُ مكةَ أهلَها الصيدَ» إلى «القدس زهرة المدائن» إلى»حُب دمشقَ» إلى غير ذلك من روائع يسهل العودة إليها، إنما يدعونا هذا النتاج إلى التجرد نحو حالة من الصفاء والإخلاص لأمتنا وأرضنا التي هي مهد الحضارات الإنسانية ومهبط الوحي من السماء، إن مسالة احتكار الانتماء للأمة وحصره في ذواتنا أمر مسيئ للوسطية التي فُطرتْ عليها أمتنا؛ فليس صحيحاً أن يظن أحد أنه بنزعته الدينية يمكن أن يصبح وكيلاً على المجتمع، أو يظن أنَّ بمقدوره ممارسةُ أيِّ لون من ألوان السُلْطة الفكرية على الناس، المجتمع الأول الذي بناه النبي الكريم في المدينة المنورة بعد الهجرة كان مجتمعاً مدنياً بكل توازن ووسطية، احتَرم فيه دين الآخرين ولم يضع أي سلطة على الفكر أو قيد على التعبير إلاّ ما يمس وحدة ذلك الوطن، فمن أين جئْنا نحن بتعصُّبِنا وكيف ارتضينا لأنفسنا أن نُرهب الناس أو نُعنِّفَهم! وكل ذلك على حساب الوطن وتلاحم أبنائه. إن تمازجاً يجب أن نتعمَّده ونؤكد عليه لنبذِ الفُرقة والحرص على الوحدة بين أبناء الوطن الواحد وعموم الأمة بعيداً عن احتكار الولاء لأنفسنا، أو التشكيك في ولاء الآخرين، فمن حيثُ نظن أننا أصيلون في عروبتنا فهناك بيننا من تجري العربية في دمائهم.



علي سويدان

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي