مجرد حصول انتخابات في بلد مثل العراق، كان إلى الأمس قريب ديكتاتورية ذات طابع حزبي وعائلي في آن، يشكل في حدّ ذاته انجازاً. لو كان هناك حد أدنى من الديموقراطية في العراق، ولو كان هناك برلمان منتخب من الشعب في اجواء تتسم بحد أدنى من الحرية، هل كان في استطاعة شخص مثل صدّام حسين اتخاذ قرار بشن الحرب مع إيران في العام 1980 من دون استشارة خبير من الدرجة العاشرة في الشؤون الإيرانية. ان أي شخص، عراقي أو غير عراقي، يمتلك حداً أدنى من المعرفة في شؤون إيران كان سيقول وقتذاك لصدّام ان شن مثل تلك الحرب سيؤدي إلى استفاقة الروح الوطنية عند الإيرانيين. وهذا ما حصل بالفعل، كما أدى إلى توحيد الإيرانيين في ما بينهم، إلى حد كبير، بما في ذلك المؤسسة العسكرية. وكانت النتيجة سير الإيرانيين خلف النظام الجديد الذي أسسه الإمام آية الله الخميني.
ما ينطبق على موضوع الحرب العراقية- الإيرانية، ينطبق أيضاً على المغامرة المجنونة التي أقدم عليها النظام العراقي السابق في العام 1990 عندما غزا صدّام الكويت في الثاني من أغسطس من ذلك العام. لم يجد صدّام وقتذاك، بسبب غياب الديموقراطية والبرلمان، من يقول له انه لن يجد كويتياً يقبل بالتعاون معه ومع ما يمثله، وأن الشيخ فهد الأحمد الذي كان من أشد المتعاطفين مع العراق في مرحلة ما لأسباب وطنية أوّلاً ذات علاقة بانتمائه العربي، سيكون في طليعة المتصدين للاحتلال وسيستشهد في المواجهة مع الغزاة... الذين هزمهم الكويتيون أوّلاً، إلى أن تكفّل المجتمع الدولي باخراجهم من الأراضي الكويتية.
في الإمكان اختصار المأساة العراقية في غياب المؤسسات. كان القرار العراقي في يد شخص واحد وحيد لا يتجرأ أحد على مناقشته في أي موضوع كان. ولذلك، فإن للانتخابات العراقية أهمية خاصة. هل هي خطوة أولى على طريق بناء مؤسسات ديموقراطية أم أنها ستثبت النظرية التي ينادي بها كثيرون داخل العالم العربي وخارجه فحواها أن العراق لا يمكن أن يحكم إلاّ بيد من حديد، هل ستؤكد الانتخابات أن لا مجال لإعادة بناء المؤسسات العراقية على أسس حديثة بعدما قضى النظام السابق على النسيج الاجتماعي للبلد، وبعدما لعب الأميركيون الدور الأساسي في إثارة النعرات والغرائز الطائفية والمذهبية والقومية والمناطقية، فلم يعد هناك مجال للحديث عن قيام عراق موحّد في يوم من الأيام؟
تطرح الانتخابات العراقية، التي انتهت قبل أيام، اسئلة عدة مرتبطة بمستقبل البلد، وحتى بمستقبل المنطقة ككل. فما لا يمكن تجاهله أن العراق الذي عرفناه حتى العام 2003، تاريخ الاجتياح الأميركي للبلد كان ركناً من أركان الخريطة الجغرافية والسياسية للشرق الأوسط الحديث والنظام الإقليمي الذي نشأ بعد انهيار الدولة العثمانية في العشرينات من القرن الماضي. في مقدم الأسئلة التي تطرحها الانتخابات العراقية، هل ستسفر نتائجها عن قيام سلطة جديدة في العراق تستند إلى مؤسسات ديموقراطية، كيف ستكون عليه العلاقة بين السنة والشيعة، ثم بين العرب والأكراد، كيف ستوزع عائدات النفط على المواطنين، هل ستكون هناك حكومة مركزية قوية في بغداد، أم أن الاتجاه إلى فيديرالية رخوة تمهد لانفصال الأكراد والجنوب في مرحلة لاحقة، أي متى تنضج الظروف لذلك؟ وربما كان السؤال الأهم: ماذا سيكون عليه الدور الإيراني في العراق، خصوصاً أنه يتبين، كلما مرّ يوم، أن الرابح الأول، وربما الوحيد في الحرب الأميركية على العراق كانت إيران التي كانت شريكاً غير مباشر في الحرب الأميركية، بل شجعت على احتلال العراق بشكل مباشر وغير مباشر في الوقت ذاته؟
قبل سقوط صدّام حسين ونظامه، كان السؤال المطروح مرتبطاً بطبيعة النظام الجديد الذي سيلي رحيل صدّام ورجاله وأفراد عائلته. الآن وبعد سبعة أعوام من التخلص من النظام ومن صدّام، بات مطروحاً قبل أيام من الانتخابات مستقبل العراق. ما على المحك مستقبل البلد، وحتى مستقبل المنطقة، وليس مستقبل النظام في غياب القدرة، أقله إلى الآن، على إقامة نظام جديد. كل ما يمكن قوله للأسف الشديد، في ضوء الأحداث التي تخللت مرحلة الانتخابات وما قبلها أن هناك احتقاناً كبيراً على كل الصعد، وأن ليس ما يشير إلى أن حدة التناحر خفت أكان ذلك بين الطوائف والمذاهب أو القوميات. ما يحول حالياً دون عودة العنف بين الطوائف والمذاهب والحد من الرغبة في اجتثاث الآخر الوجود العسكري الأميركي. هذا الوجود لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية في ضوء رغبة الرئيس باراك أوباما في التزام المواعيد التي سبق له وحددها في شأن الانسحاب. هناك قسم كبير من القوات سينسحب على مراحل هذا العام ويفترض بالقسم الباقي الانسحاب العام المقبل بعد تموضع هذا القسم في قواعد خارج المدن بعيداً عن أي تدخل في الشؤون الداخلية.
ماذ سيفعل العراقيون عندما لا يعود هناك من يفصل بينهم، علماً بأن الحديث بدأ منذ الآن عن ضرورة التمديد للوجود العسكري الأميركي حتى العام 2020... هل الانتخابات خطوة على طريق تأكيد أنه بات في استطاعتهم الامساك بمقدراتهم أم أن كل ما يمكن توقعه انفلات للأمور بشكل حرب أهلية؟ من يعرف العراق وما يدور فعلاً على الأرض يعرف أن الحرب الأهلية دائرة، ولكن على نار خفيفة، منذ العام 2003، عندما بدأ الأميركيون عن طريق ممثليهم في العراق التمييز بين المواطن والآخر بسبب طائفته، أو مذهبه، أو القومية التي ينتمي إليها.
الانتخابات العراقية مفصلية. سيتبين بعدها هل سيقوم العراق مجدداً، كدولة ذات هوية واضحة، أياً تكن هذه الهوية، أم كل ما في الأمر أن الهدوء النسبي الذي ساد في الأشهر القليلة الماضية والذي تخللته عمليات تفجير عدة، لم تحل دون اجراء الانتخابات، لم يكن سوى ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة.
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن