لولا الله تعالى لثقلت على عواتقنا كثرة الهُموم، ولولاه لعجزنا أن نتنفس الراحة نفسها التي تعيننا على مواصلة المسير في صحراء هذه الحياة المهلكة وأوديتها المقفرة...
فالإيمان بالله نور في قلب المؤمن يتلألأ من حين إلى حين، وفي سماء الليالي المظلمة فينير لنا الطريق، وهو الدوحة التي يفيء إليها المسافر من لهيب الصحراء اللافح فيجد في ظلالها راحته وسكونه...
وهو الغيث الهامل الذي ينزل على الأرض التي تراها هامدة، فإذا نزل عليها اهتزّت وَرَبَت وأنبتت من كل زوج بهيج... ومع هذا يقول الله تعالى «لقد خلقنا الإنسانَ في كَبَد» أي في شدة وتعب، يكابد مصائب الدنيا ووحشة القبر وشدائد الآخرة، ويكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء لأنه لا يخلو من أحدهما...
ولم يخلق الله خلقاً من الملائكة أو الجن، يكابد ما يكابد ابن آدم لأنه تحمل أمانةً عجزت عنها السماوات والأرض والجبال، وهي أمانة التكليف المُترعة بالمشاق وأول هذه المتاعب الولادة وتعسرها، ثم الرضاعة ولولاها لضاع، ثم يكابد حرارة نبت الأسنان والختان والفطام، ثم يكابد التربية والتعليم، ثم يكابد شغل الزواج وتربية الأولاد ورعاية الخدم، ثم يكابد بناء البيت، ثم يكابد الكبر والهرم وضعف الركبة والقدم، ثم مصائب فقدان الأحبة ونوائب يطول ذكرها في الصحة والمال...
ولا يمض عليه يوم إلا ويقاسي فيه شدّة... ثم الموت والفناء وسؤال الملكين، ثم البعث والعرض على الله وبدء الحساب إلى أن يستقر به قرار إما الجنة وإما النار... فلو كان الأمر إلى الإنسان لما اختار هذه الشدائد ودلّ هذا على أن له خالقاً مدبراً قضى عليه بهذه الأحوال فليمتثل أمره في السّراء والضّراء...
والغريب أنك تجد هذا الإنسان الضعيف جريء القلب مع الله «قُتِل الإنسانُ ما أكفره» وغليظ الطبع مع الناس، مضيعاً ما يعنيه مشتغلاً بما لا يعنيه. وهذا ما فعلته الديمقراطية المزعومة بنا اليوم فحل بنا الخصام مكان الوئام.
وصدق الله العظيم إذا يقول «خلقَ الإنسانَ من نطفةٍ فإذا هو خصيم مُبين».