علي سويدان / عودة... إلى الأمويين

تصغير
تكبير
يمكننا أن نصلي صلاةَ الغائب أو نقرأ الفاتحة على روح «منظمة دول عدم الانحياز»، لكننا لن نفقد الأمل أن يبقى بين الناس من يحمل الفكر المحايد ومنطقَ الوسطية، فلعلنا نستسهل انتقاداً شبه يومي من البعض لسورية بغير وجه حق، وربما يضيق صدرنا إن قرأنا ما يوضح الأمور بشكل موضوعي! سقى اللهُ أيامك يا (معاوية بن أبي سفيان)، أهيَ أرواح الأمويين التي مازالت تسري في دمشق، أم هي شعرة معاوية التي ورثها السوريون من بعده؟ كثيرة تلك الدوافع التي دعتني نحو كتابة هذه الكلمات، ولكنْ أكثر ما دفعني لذلك ظهور مؤشرات مرحلية تدل وبكل وضوح على مطابقة الأداء السياسي في سورية للمنطقيات التسلسل الفكري في العلاقة مع الآخر، ومحاكاة هذا الأداء لسجيَّة الإنسان وفطرته. لستُ بصدد ترويجٍ للسياسة السورية فالأشقاء العرب باتوا أكثر تفهُّماً لمواقف سورية المرتبطة أولاً بالمصالح العربية وليس بمصلحتها الخاصة، وإلاّ كان من السهل على سورية أن تكون في مقدمة ركب التطبيع مع إسرائيل وحلِّ قضية الجولان وفصلها عن الهموم الكثيرة للعرب، ولأن السياسة السورية باتت موصوفة في منطقتنا العربية وفي العالم بالهدوء وضبط النفس والتريث قبل الشروع بالتصريح أو اتخاذ أي قرار، فيهمني أن أقول: ثمة أداء سياسي مدروس أخذ بيد السوريين إلى حضور وتواصل سياسي غير مسبوق؛ فأول ما يمكن رصده في الأداء السياسي لسورية هو تميُّز هذا الأداء بهدوء في التعاطي مع أنواع شتى من الشؤون، ومع أحداث متوقَّعة وربما مفاجئة، فقد أدى ذلك إلى ظهور سورية في ثوب من الروية أمام أحداث مختلفة، فمثلاً لم تُستدرج سورية ولو مرة واحدة لمجرد تصريح يدفعها بعد ذلك للتراجع سياسياً، وعلى محور آخر تمسُّك سورية بـ(مبدأ الأرض مقابل السلام) كان دافعاً بشكل مباشر وغير مباشر لقوى إقليمية ودولية للوقوف أمام هذا الأداء وإعادة النظر في العلاقة معه بدلاً من معاداته، والمراقب عن كثب لهذا الشأن يرى عدم التفات سورية إلى فرعيات الأحداث حتى لا تنصرف الجهود والطاقات عن القضية المركزية، وهي احتلال إسرائيل لفلسطين ولأراضٍ عربية أخرى؛ فربما تسكتُ سورية عن حدث يقصد به آخرون شغلها وصرف طاقاتها إلى قضايا ثانوية بعيداً عن الأهم، ولكن كان الأداء السياسي في دمشق متَّجهاً نحو أولويات القضايا العربية وما يهمُّ مصلحة الوطن وعموم الأمة، بعيداً كلَّ البعد عن الاستجابة لأي استفزاز، فليس من البطولة أن يجرَّ الإنسان وطنه وجيرانه إلى حرب لا طائل من ورائها سوى مزيد من كسر لشوكة الأمة، أما الأرض المحتلة سواء في الجولان أو في فلسطين وشبعا في الجنوب من لبنان فعائدة لا محالة لأصحابها، فليس من الإنصاف أن ننكر الدور المتزن لسورية سياسياً مع أشقائها العرب، وحفظ خيوط التواصل معهم رغم محاولات الإيقاع بينها وبين العرب، لقد قدمت سورية مثالاً ملحوظاً من حيث المهنية السياسية، وأبقت على علاقاتها مع الجميع رغم إعراض البعض عنها، إننا في أمس الحاجة اليوم إلى تجاوز حالات النقد من أجل النقد وأن نفتح صدورنا للآخرين مقبلين على المستقبل بكل أمل متجاوزين الماضي بما فيه من تهوُّر وتسرُّع وأخطاء، ونحتسب شهداء الأمة خالدين في جنات الله، ولعلها فرصة ذهبية للعرب أن يتجهوا نحو العمل المشترك ولو كانوا مختلفين؛ فالاختلاف في الأفكار في حالاته الطبيعية دافع للابتكار والتقدم، ويبقى الْوُدُّ ما بقيَ العِتابُ.





علي سويدان

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي