علي سويدان / الصندوق الأسود

تصغير
تكبير
لقد جرت عادة المراقبين والدارسين أن يسجلوا ملاحظاتهم تجاه العلاقات القائمة بين الدول، وحتى لو رصدوا في مهنتهم نوعاً من التناقض الصادر عن جهة بعينها، لم يتسرعوا في إبداء الرأي وحسم نتائجه، لأن السياسة باب مفتوح على المجهول وساحتها كثيرة التداعيات، فلا يعول السياسيون الحذقون على ظاهر تصريح ما صدر عن دولة بعينها، بل الأخذ بجملة من الملاحظات يدخل عنصر الزمن فيها بشكل أساسي وعلى ركيزة من ذلك كله يُتخذ موقف ما. العناوين التي تحملها إلينا وسائل الإعلام عن وقوف المنطقة على حافة حرب محتملة بين اسرائيل وإيران أمر تكرر كثيراً، وأخذ أشكالاً مختلفة. إن من مصلحة اسرائيل بقاء إيران قوة يهابها العرب وتمثل في نظرهم قنبلة موقوتة، لكن أثبتت التجارب أن الإيرانيين ليسو أكثر وعياً من العرب تجاه ما يحدث في المنطقة؛ فمنذ قيام الثورة الدينية في إيران وعودة الخميني إليها أخذت إيران في عيون بعض العرب صورة التنين الذي يهدد قوميتهم وسيادة أراضيهم. ولأن الظروف حينها وفي الفترة التي سبقتها أفرزت نظاماً في بغداد يسهل استدراجه إلى حرب باسم القومية العربية وحماية البيت العربي من خطر إيراني كانت الحرب العراقية - الإيرانية محرقة لأبناء البلدين المسلمين واستنزافاً غير مسبوق لطاقات الأمة العربية والإسلامية في فوة الخليج، بدلاً من تسخير تلك الحماسة التي رأيناها إلى تحرير الأراضي العربية المحتلة من إسرائيل! فلماذا لم تسبق إيران العرب كثيراً في وعيها آنذاك حين أعلنت إبان ثورتها أنها تعد جيش المليون جندي لتحرير القدس؟ فإذا بها تستدرج إلى حرب ولأعوام ثمانية مع العراق، لأنها كانت بعيدة عن توجيه طاقتها تجاه المفيد لشعبها؛ فكانت قريبة جداً بكلامها من كلام العراق بعد ذلك حين تبجح بانتصاره على إيران في حربه معها، فأعلن أنه سيحرق نصف إسرائيل! وبلا شك فإن اتجاه بعض الدول (مثل العراق في الماضي ومثل إيران اليوم) إلى استعراض القوة العسكرية والحديث عن قدرات نووية ولو كانت سلمية والتهويل في الخطاب السياسي أمر لا يعود بخير على الشعوب ومستقبل المنطقة بأسرها؛ فليس مقبولاً في المنطقين السياسي والإنساني أن يستعرض بلد قوته العسكرية، بينما يعيش كثير من مواطنيه تحت خط الفقر ويظهر ذلك الفقر وضعف البنى التحتية وضعف الأبنية الخاصة مع أول هزة أرضية بسيطة!

إنه من الإجحاف أن تصرف الأموال وكنوز الأمة على تصنيع الأسلحة والمفاعلات النووية والأسلحة الكيماوية، ثم تأتي إسرائيل لتضربها في مكانها، ونحن ننظر بسذاجة، وحين نستخدمها نحرق فيها جيراننا وأبناء جلدتنا! إن الكلام الذي يصدر عن السياسيين أو الإعلاميين الرسميين كلام يأخذ أوجهاً عدة ويتطلب فهماً يتصل بمعطيات كثيرة ليرجح دفعه إلى معنى بعينه، فقد ملت الأمة من تبجح السياسيين ومن استعراض العسكريين، فحين نحتاج إلى السياسة لا أحد يستخدمها في محلها، وحين نحتاج القوة العسكرية لا نراها! إن العرب ليسوا بحاجة لمن يجهز جيشاً ليحرر لهم القدس ماداموا بعيدين عن ذلك الهم، ولسنا أيضاً بشوق كبير أن يحرر أحد لنا القدس والجولان وما بقي من الجنوب في لبنان ثم يفرض علينا لغته أو قوميته! إن الكلام الذي يُقال خلف مكبرات الصوت وعبر الأثير مجرد كلام ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً إلا إذا ارتبط بواقع ملموس. أما الأسباب الحقيقية وراء كثير من الأحداث ربما تبقى مجهولة وفي صندوق أسود، تماماً كصندوق الطائرة الأثيوبية التي سقطت في المياه اللبنانية!



علي سويدان

كاتب وأكاديمي سوري

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي