بات الأمر أكثر من مُلِحٍّ في مسألة الفصل بين الجانب الإداري والجانب الفني في مؤسساتنا الثقافية؛ فلم يعد الأمر مقبولاً في ساحات الأدب العربي ومؤسساته الراعية له أن يستأثر البعضُ بإدارة مركزية لسير الفعاليات الثقافية بعمومها، والتحكم بدائرة إجازة النص الأدبي بخصوصياتها، فليس منا من يُنكِرُ على الأدباء دورَهُمُ الريادي في السبق إلى مدارج البناء والإنتاج في هذا المجال، غير أن ركوداً ما يميل بثِقَلهِ على أكتاف مؤسساتنا الثقافية العربية ليجعلها مأسورةً من الانطلاق مع الزمن، إن كثيراً من الشركات وبعض الإدارات الرسمية تسعى للتعاقد مع جهات متخصصة في فن الإدارة والتأهيل الإداري لتقوم هذه الجهات المتخصصة بتدريب أعضاء تلك المؤسسات وموظفيها تدريباً مهنياً يناسب عملها، ويرفع من أداء الموظفين فيها بصورة حقيقية لا شكلية فقط! فلم يعد مقبولاً اليوم أن تختلط الأمور ببعضها في عالم يتجه نحو توزيع المهام حسب أدق التخصصات؛ فالمؤسسات الأدبية والثقافية عامة في حاجة ماسة لتنفض عنها حالة من الاختلاط بين ما هو فني وما هو إداري، فالإدارة فن منفصل لا يلزم بالضرورة إقحام صاحبه في فنيّات الأداء الأدبي، والحاجة مُلِحَّة في كل مؤسسة لطاقم فني من الناظرين في النصوص، وتحليلها على أساس يواكب أصول النقد ومتطلبات التقدم نحو الإبداع، فلا نريد أن نخلط بقصد، أو دون قصد، بين ما هو إداري وما هو فني حتى لا تضيع المصلحة العامة، وتغيب الكفاءاتُ، ويتدنّى الاهتمام بالنتاج الأدبي باختلاط الأمور، أو بإسنادها إلى غير أهلها، فربما تقود نزعة التسلط بعضاً منا لاقتحام الجانب الإداري وهناك من هو أعلى منه كفاءة إدارية، ولا يعني هذا أن ندفع الإداريين المتخصصين في الإدارة البحتة ليقتحموا إدارة الجانب الأدبي دون دراية منهم بمتطلبات الحركة الأدبية بشكل عام، بل هي خطوة أكثر من حساسة تدفعنا للتعامل مع المسألة بآلية إدارية متوازنة، تحفظ سير الأداء المهني للعملية الإدارية وتُبقي على الجانب الفني في حقله بيد من هو متخصص أدبياً في مجاله، إن اهتمامنا عملياً بهذا الجانب يعني أننا على استعداد للنهوض بأداء المؤسسات الثقافية على امتداد الشرق العربي لا أن نفكر بأعمالنا ومهماتنا بوتيرة شهرية أو أسبوعية، أو بصورة يومية تغيب مع الشمس!
إن مسالة النهوض بمستويات الأداء في مؤسساتنا تحتم علينا انتقاء الكوادر المفكرة والساعية إلى إنجاز الأعمال والمشاريع الثقافية عبر منظومات متكاملة تؤدي أعمالاً تجتمع في النهاية في نسق واحد، وتسير إلى هدف مشترك؛ لا أن يكون أداء الإداريين والمشرفين فنياً على مؤسساتنا الثقافية أداءً تنطفئُ شعلته مع نهاية فعاليةٍ ما! نحن في انتظار تغيير واقعيٍّ نكون فيه صادقين مع أنفسنا في اتِّباع نهجٍ مبتكر في التخطيط للنهوض بمؤسساتنا الثقافية، وضع دماء جديدة في جسد الثقافة، بذلك فقط يمكننا أن نواكب الزمن، ونسير بخطوات واضحة نحو النجاح والتقدم، وإلاّ سيبقى الأمر كما هو اختلط فيه الحابل بالنابل!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]